جريدة الإتحاد - 4/24/2026 11:36:00 PM - GMT (+4 )
دخل رئيس الموساد الجديد رومان جوفمان على خط الصراع السياسي الدائر في إسرائيل، ما يؤكد استمرار وهيمنة الدولة العميقة على مقاليد الأوضاع في المناصب العليا في الدولة، والذي أظهره وجود «منتدى الخدمة المدنية»، بما يضم من عناصر وقيادات تسعى للهيمنة على قرارات التعيينات الكبرى التي يطرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويسعى لإقرارها والعمل من خلالها، خاصة أن الصراع امتد من توجهات لجنة التعيينات التي تمرر أي تعيين لنتنياهو إلى محاولة فرض سلطتها على أي ترشيح في الدولة، بما يعكس تصاعداً في دور مراكز القوى داخل إسرائيل مؤخراً، والتي بدأت في العمل بالوسط السياسي والحزبي، ما قد يحيلها إلى قوة كبيرة لتمرير كل ترشيح.
الوقع أن مراكز القوى في المجتمع الإسرائيلي باتت ظاهرة لافتة بعد تصاعد العمل العسكري، وتوظيفه ودخول إسرائيل في سلسلة مواجهات بدأت بغزة ومرت بلبنان ثم إيران، وما تزال الترتيبات الأمنية الخاصة بهذه المواجهات لم تتضح نتائجها بعد، وفي ظل هيمنة القرار العسكري على القرار السياسي، وبما يعطي دلالات بأن الدولة العميقة تسترد حضورها السياسي مجدداً.
وقد كشفت معركة اختيار رئيس الموساد الجنرال رومان جوفمان عن هذا الأمر بصورة لافتة ومباشرة، إذ بدأت الاتهامات تُروّج إعلامياً لجوفمان الذي يعمل سكرتيراً في مكتب نتنياهو، وأحد المقربين منه، وأيضاً من المجموعة الضيقة التي تعمل بجواره منذ سنوات طويلة، ولهذا تم ترشيحه.
ورغم أن ردود الفعل تباينت على هذا الترشيح بالفعل ما بين مؤيد وداعم، إلا أن الأمر تم تمريره في لجنة التعيينات بعد تدخل نتنياهو شخصياً، وكان له انعكاس مباشر على ما جرى في ظل الصراع على المنصب ورغبة ضباط الموساد في تعيين شخصية مهنية وحرفية ومن داخل الجهاز نظراً لظروف وبيئة العمل، والتي تحتاج شخصاً قادراً على تمرير العمل وإدارته، خاصة في مجالات العمل بغزة ولبنان وسوريا وإيران، ما يؤكد أن الجهاز في حاجة إلى شخصية مختلفة، وبمواصفات أخرى لا تتوافر كما يرون في الجنرال رومان جوفمان، الأمر الذي دفع الدولة العميقة، بل ومؤسسات صنع القرار غير الرسمية، للدخول على الخط، ومحاولة عرقلة الاختيار، وتجاوز كل ما يجري، خاصة أن تعيينه سيتم بعد أشهر وليس في الوقت الراهن، ما يدفع للعودة إلى مراجعة اختياره، بل ومحاولة فتح ملفات تتهم الجنرال رومان جوفمان في واقعة تجنيد فاشلة تم التحقيق في تفاصيلها وإعادة ترتيب نصوص الاتهامات الموجهة له، ما يؤكد أن هناك قوى متربصة به.
عملية اختيار جوفمان سببها الرئيسي الولاء الشخصي لنتنياهو، وقد تم بالفعل تقديم التماس ضد تعيينه في هذا المنصب. ولعل التجاذبات بين نتنياهو والقضاة ستُفتَح مجدداً، ما قد يؤكد أن الأمر ما زال لم يحسم بعد إلى حين تولي الجنرال رومان جوفمان موقعه، خاصة أن لجنة التعيينات العليا وافقت على تعيينه بالأغلبية، ورغم شهادات قادة كبار بمهنية الرئيس الجديد للموساد، إلا أن الأمر ما زال يُواجَه بإشكاليات عدة، ومن احتمالات دخول المحكمة العليا على الخط، خاصة أن تعيين رئيس الموساد الجديد لا يمكن اعتباره الحالة الوحيدة في ظل وجود تعيينات أخرى تمت في مكتب نتنياهو وخارجه، وقوبلت بتحفظات واعتراضات كبيرة.
في السياق السابق، سيشهد الموساد في كل الأحوال تطورات مفصلية في الفترة المقبلة، خاصة أن جوفمان يميل إلى العمليات العسكرية الخشنة، وقد أصيب كما هو معروف في أحداث 7 أكتوبر، ورغم ذلك لم يحظَ بثقة قادة الموساد، بمن فيهم رئيس الجهاز الحالي الجنرال ديفيد برنياع، والذي اعترض على اختيار جوفمان باعتباره ليس رجل استخبارات بالمعنى المعروف، وأنه ضابط مدرعات..
تبدو المخاوف قائمة إذاً، وترتبط بالمهام المقبلة للموساد، والتي ستلقي بتأثيراتها على نشاطه في الفترة المقبلة، وقد تؤثر على إدارة العمليات الكبرى التي ستتعامل وفق رؤية ربما مختلفة، إذ إن المخاوف في مجمع الاستخبارات الإسرائيلية بأكمله من أن ينعكس تاريخه العسكري على عمل الجهاز، الأمر الذي يدفع بأن الرجل من الشخصيات التي تتعامل وفق تقديرات المواقف، وليس الاعتماد على العمل الاستخباراتي القائم على التكتيك، واتباع نمط السرية والتكتم، إضافة لتخوف قادة الجهاز من التدخل السياسي في مهام عملهم، على اعتبار أن الرجل قادم من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ما قد يؤدي بالموساد أن يتحول إلى أداة في يد نتنياهو، ما قد يؤثر على استقلالية الجهاز.
ستحتاج الحكومة الإسرائيلية - في الفترة المقبلة - إلى فض الاشتباك بين الولاءات المباشرة للشخصيات الصاعدة، والتي تميل إلى دعم نتنياهو وتأييد مواقفه وبين توليها مهام رسمية، وسيبقى التخوف من افتقاد هذه الشخصيات الاستقلالية المطلوبة، بما يضر بأمن إسرائيل واستقرار حكومتها، ويُقحم مؤسسات مستقلة، خاصة الاستخباراتية والأمنية، في دوائر السياسة وتعقيداتها.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


