ايلاف - 4/26/2026 1:29:19 AM - GMT (+4 )
ما عادت الظنون وحدها تقف بين رائد وابن عمته رشيد، صار الزمن نفسه هو الجدار، لا يُرى لكنه صلب، لا يُلمس لكنه يمنع الاقتراب، يقف بين قلبين كانا ذات يوم ينبضان بإيقاع واحد.
لم يكن رائد يغادر بيت عمته أم وليد إلا نادرًا، ذلك البيت الذي ترمّل قبل عشرين عامًا حين خطفت الحرب زوجها الملا أبو وليد في حرب الشمال العراقي، وترك لها أربعة صبية كأربعة جروح لا تلتئم، أكبرهم وليد، ذاك الذي ابتلعته جبهات القتال العراقية الإيرانية، فلم يُعثر له على جثة، ولم يُسمع له صوت، ولم يبقَ منه إلا اسم تردده أمه كلما أثقلها المساء.
كاد بصر أم وليد يذهب حزنًا عليه، وكانت كلما اشتد بها الشوق، ملأت أرجاء الدار بنحيبها، ثم تختمه بعبارتها التي صارت كأنها نشيد دائم:
"يا وليد... يا يمه... عميت عيني عليك يا وليد يمه..."
ومع الوقت، اعتاد الجميع هذا الحزن، حتى صار جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، لا يُدهش أحدًا، ولا يوقظ أحدًا من سباته.
ولأن الزمن قاسٍ حتى في عاداته، صار الإخوة الثلاثة، ومعهم رائد، يسمعون هذا النشيد اليومي كأنهم يسمعون أذان الفجر، يألفونه حتى لم يعودوا يلتفتون إليه، كأن الحزن حين يتكرر يفقد قدسيته، ويصير جزءًا من أثاث الدار.
كانت علاقة رائد بمجيد وحميد علاقة يشدها النسب أكثر مما يشدها القرب، يفصل بينهما فارق عمر بسيط، لكن المسافة بين أرواحهم كانت شاسعة، أما رشيد، الذي يكبر رائد بعشر سنين، فقد كان الكون كله، كان النافذة التي يطل منها رائد على ما وراء الجدران الإسمنتية للحصار، على ما وراء المقاييس الصارمة للعائلة.
وكثيرًا ما كانت العمة تحذر رائد:
إياك أن تمشي خلف رشيد، هذا الولد عار على سمعة أبيه، المرحوم كان ملة ودين، وهذا يشرب الخمر يا بني، يفضحنا بين الناس.
لكن التحذير كان كالماء على صخرة ملساء، ينزلق دون أن يترك أثرًا، كان رشيد في عيني رائد بطلًا من نوع آخر، بطلًا لا يُحارب على الجبهات، بل يُحارب الملل والفقر والحصار بطريقته الخاصة، بطريقة لم يفهمها رائد تمامًا، لكنه أحبها لأنها كانت تُشعره أنه حي.
1- بابٌ يُغلق على عالم آخر
في ظهيرة قائظة من ظهائر الحصار، حين كانت الكهرباء مقطوعة كعادتها، والبيت غارق في صمت ثقيل، نادى رشيد على رائد بصوت خفيض:
تعال، أغلق باب الدار الرئيسي بالمزلاج، وتأكّد إن كان البيت فارغًا.
لماذا؟
سأل رائد ببراءة لم تكن كاملة.
صديقي سيأتي ومعه جهاز فيديو.
ثم صمت برهة وأضاف مبتسمًا:
لنشاهد فيلمًا خلعيا "سكسيًا".
لم يفهم رائد معنى الكلمة تمامًا، لكن احمرار وجهه كشف أنه يفهم بما فيه الكفاية، أغلق الباب بالمزلاج الحديدي الثقيل، وتأكد من غياب العمة التي ذهبت إلى سوق الشورجة، ومن ذهاب مجيد وحميد إلى المدرسة، ثم دخل صديق رشيد ومعه جهاز الفيديو، كأنه يحمل صندوق أسرار.
وحين دار الشريط، انفتح باب آخر في روح رائد، باب لم يكن يعرف أنه موجود، انغمسوا في المشاهد كأنهم هم الفاعلون لا المتفرجون، وكانت أيديهم تمتد إلى أجسادهم في الظلمة، فيمارسون ما لم يجرؤوا على تسميته، ولما قارب الفيلم على نهايته، دوى طرق عنيف على باب الدار.
انتفضوا كملسوعين، أطفأ رشيد الجهاز، جمعوا المناديل المبعثرة، أخفوا آثار جريمتهم الصغيرة، وركض رائد نحو الباب.
أين كنتم؟! ألا تسمعون الطرق؟!" صرخت العمة وهي تدخل محملة بأكياس البصل والباذنجان والخضار والطماطم الذابلة من شدة الحر.
رائد: كنت في الحمام يا عمة.
لم تصدقه، لكنها لم تكذبه، ثم أعدت الغداء، فأكلوا بنهم غريب، كأن ما فعلوه قبل قليل قد استنزف منهم طاقة لا تُعوّض إلا بالخبز والمرق.
2- النار تُشرب على مهل
وفي يوم تموزي لاهب، حيث كانت بغداد تغلي تحت جلد ساكنيها، وتغيب الكهرباء عشرين ساعة في اليوم، دخل رائد غرفة رشيد فوجده يحتسي الويسكي، كان يشربه حارًا، بلا ثلج ولا ماء، كأنه يتحدى جهنم الداخل بجهنم الخارج، وكان كلما ابتلع جرعة نفخ من جوفه كما ينفخ الحداد في كور النار.
تجرب؟
سأل رشيد وهو يمسح فمه بكم قميصه.
أومأ رائد برأسه، وأخذ رشفة صغيرة، فشعر كأن سائلًا من لهيب يسري في أمعائه، انتفض جسده، وركض إلى المرحاض يتقيأ حتى أحس أن أحشاءه ستخرج مع القيء.
ضحك رشيد ضحكة مكتومة:
لا زلت صغيرًا يا رائد، تكبر وتتعلم.
وسرعان ما تعلم رائد شرب الخمر، فبعد أيام أمسك رشيد بيد رائد وقاده إلى مشوار آخر، إلى امرأة في الأربعين من عمرها، في زقاق بعيد في حي أور، وقد دفع رشيد النقود، وعلّم رائد كيف يبدأ، وكيف يستمر، وكيف ينتهي.
وكان رشيد يراقب من زاوية الغرفة كأنه مدرب يتابع أداء تلميذه، يوجهه بصوت هامس، يبتسم حين يخطئ، ويومئ برأسه حين يصيب.
خرج رائد من هناك وهو يشعر أنه عبر نهرًا، وأن الضفة الأخرى لا تُشبه الأولى، وفي حديقة عامة قريبة، احتسيا خمرًا رخيصًا معًا، وانفجر رائد يضحك من دون سبب واضح، إلا أنه شعر للحظة أنه حي.
3- ثلاثون عامًا، والصمت يأكل الأسماء
ثم حدث ما يحدث دائمًا، تغيّرت بغداد، جاءت موجة التدين، واجتاحت النفوس كما تجتاح العواصف المدن الهشة، تأثر رائد بها، وانخرط في صفوف المتدينين، مبتعدًا عن رشيد، الذي صار ينتمي إلى ماضٍ لم يعد يشبهه، افترقا، لا بخصام، بل بتباعد صامت، كأن الحياة نفسها قررت أن تكتب لكل منهما طريقًا مختلفًا، ثم انتقلت عائلة رائد إلى مدينة بعيدة في جانب الكرخ، وانقطعت أخبار رشيد.
ثلاثون عامًا مرت كغيمة ثقيلة، تحمل مطرًا لا يسقط، وفي ليلة من ليالي الخريف، شعر بألم حاد في مثانته، ثم أجرى الفحوصات والتحاليل الطبية، وجاءت الكلمة التي كان وقعها كالصاعقة: ورم خبيث، سرطان المثانة.
واتصل والد رائد بابن أخته رشيد، وطلب منه تقديم المساعدة لابنه رائد، وذلك بحكم عمل رشيد في مدينة الطب بصفة معاون طبيب، وعد رشيد خيرًا، وخلف السماعة لم يقل شيئًا آخر.
وجاء إلى مدينة الطب يحمل مرضه في جسده، ويحمل في قلبه أسماء من ماضٍ بعيد.
4- لقاء الغرباء تحت مصابيح المستشفى
وقف رائد في بهو المشفى، يتذكر تلك الأيام الخوالي كأنها شريط سينمائي يُعرض بسرعة مجنونة: غرفة رشيد، جهاز الفيديو، زجاجة الويسكي الحارة، وجه المرأة الأربعينية، ضحكته هو في الحديقة العامة بلا سبب، ثم أقبل رشيد.
لم يره رائد قادمًا بقدر ما أحس به، كان يمشي بخطى ثابتة، يرتدي معطفًا أبيض، وفي يده مسبحة حسينية تدور حباتها بين أصابعه بانتظام آلي، وكانت لحيته طويلة مهذبة، وعيناه تنظران إلى الأمام لا إلى الوجوه.
"السلام عليكم"
صوت رشيد كان محايدًا، نظيفًا من أي عاطفة، كأنه صوت مذيع يقرأ نشرة أخبار قديمة.
وعليكم السلام... رشيد... كيف حالك؟
مد رائد يده، فصافحه رشيد مصافحة خفيفة، سريعة، كأنه يلمس مقبض باب سيمر منه سريعًا.
الحمد لله، وكيف حالك أنت؟ دعنا نرَ ملفك الطبي.
طوال فترة وجود رائد في المستشفى، كان رشيد يؤدي عمله اليومي الروتيني، يوقع أوراقًا، يتحدث مع الممرضين، يمر على غرفته أحيانًا ليطمئن، لكن عينيه لم تلتقيا بعيني رائد أبدًا، لم يسأله عن أهله، عن الماضي، عن ليلة الحديقة العامة، عن ضحكته التي بلا سبب، لم يسأله عن شيء إلا عن درجة حرارته وموعد فحصه التالي.
كان رشيد يعامله كما يعامل المريض في السرير رقم سبعة، لا كما يعامل ابن خاله الذي كان يحبه حبًا جمًا، والذي شاركه ذات يوم سرًا لا يعرفه أحد.
5- تساؤلات في قرارة الروح
جلس رائد على سريره الأبيض، ينظر من النافذة إلى سماء بغداد المغبرة، كان الألم في خاصرته يخفت أحيانًا ويثور أحيانًا، لكن الألم الحقيقي كان في صدره، في ذلك المكان الذي كنا نسميه القلب قبل أن نكتشف أنه مجرد عضلة تضخ الدم.
تساءل في سره:
هل صار رشيد هكذا لأنه رأى كثيرًا من المرضى مثلي حتى صرنا بالنسبة إليه مجرد ملفات وأرقام وأسرّة؟
هل تبلّد إحساسه من كثرة الموت الذي يراه كل يوم؟
ثم سكت قليلًا، وشعر بغصة تشبه غصة العمة المرحومة أم وليد يوم كانت تنادي وليدها الغائب.
أم أن النسخة القديمة من رشيد قد مُحيت تمامًا؟
كأن الزمن مر عليها بممحاة ثقيلة، وكتب مكانها إنسانًا آخر لا أعرفه، لا يعرفني، لا يريد أن يعرفني؟
لم يجد جوابًا، لكنه أدرك شيئًا واحدًا، أدركه وهو يرى وجه رشيد الخالي من أي ذكرى، الخالي من أي بريق، الخالي من أي ظل للماضي.
أن الإنسان ليس حجرًا، كان يظن، كما يظن الكثيرون، أن الناس ثابتون كالصخور، وأن السنوات تمر ولا تغيّر إلا الوجوه والتجاعيد، لكنه الآن، وهو يرى رشيد الجديد، أدرك أن الزمن نحّات ماهر، ينحتنا على مهل، يغيّر ملامحنا وقلوبنا، يمحو منا ما يشاء ويكتب علينا ما يشاء، حتى إذا التقينا بعد غياب طويل، لم نعرف بعضنا.
خرج رائد من المشفى في ذلك المساء، والريح تلفح وجهه، ومدينة الطب تبتعد خلفه شيئًا فشيئًا، كان يحمل مرضه في جسده، ويحمل غربته الجديدة في روحه.
وقال في نفسه، بصوت لم يسمعه أحد:
لقد أخطأ من ظن أن الأيام حين تنصرم، والسنين حين تمضي، يبقى الإنسان كما هو، صخرة صماء لا تتزحزح، كلا، نحن غبار، والريح تعيد تشكيلنا في كل لحظة، حتى نغدو غرباء عن أنفسنا قبل أن نغدو غرباء عن الآخرين.
ومشى في شوارع بغداد، لا يدري إن كان يبحث عن رشيد الذي فقده، أم عن رائد الذي كانه ذات يوم، أم عن ظل وليد الغائب الذي ما زالت أمه تناديه كل مساء، في بيت بعيد، في مدينة أنهكتها الحروب، في زمن يأكل كل شيء حتى الذاكرة.
إقرأ المزيد


