جريدة الإتحاد - 4/27/2026 11:52:10 PM - GMT (+4 )
في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، أصبح تطوير الكوادر البشرية محوراً أساسياً لضمان الاستدامة المؤسسية وتعزيز القدرة على مواكبة المستقبل، ومع التقدم المتسارع في الابتكار التكنولوجي والاعتماد المتزايد على الحلول الرقمية، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة بناء مهارات الموظفين وتأهيلهم للتكيف مع متغيرات بيئة العمل الحديثة التي ترتكز بشكل أساسي على التعلم المستمر والتطوير الذاتي، وهو ما يفرض على المؤسسات تبنِّي سياسات تدريب متقدمة واستثمارات طويلة الأمد في رأس المال البشري لضمان جاهزيتها في بيئة تنافسية متغيرة باستمرار.
وتواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تكثيف جهودها في هذا المجال، عبر إطلاق المزيد من المبادرات الحكومية التي تعكس إدراكاً عميقاً لأهمية الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه محركاً رئيسياً للتنمية المستدامة، ومن أبرز هذه المبادرات مؤخراً ما أعلنته دبي الرقمية بإطلاق برنامج «AI+»، الذي يهدف إلى تدريب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين على مهارات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته العملية، بما يمكّنهم من توظيف التقنيات الحديثة في تطوير الخدمات، الأمر الذي يسهم في بناء منظومة حكومية أكثر ابتكاراً ومرونة واستجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة باستمرار، ويعزّز مكانة الإمارات في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المستدام عالمياً.
والحاصل أن برنامج «AI+» يندرج ضمن منظومة وطنية متكاملة من البرامج التي تضع تطوير الكفاءات البشرية في صميم أولوياتها، حيث أطلقت الحكومة الاتحادية مجموعة من المبادرات النوعية مثل «برنامج المواهب الواعدة»، و«برنامج نقل المعرفة»، و«بوابة خطوة للمستقبل»، والتي تهدف إلى توظيف الخبرات العالمية وتعزيز تبادل المعرفة المؤسسية وتمكين الموظفين من بناء قدراتهم وتطوير مهاراتهم، إلى جانب دعمهم في التخطيط لمساراتهم المهنية بما ينسجم مع متطلبات المستقبل المتغيرة، وتسهم هذه البرامج في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز جاهزية الكوادر الوطنية لمواكبة أفضل الممارسات العالمية في بيئات العمل الحديثة التنافسية.
وفي الواقع، فإن هذه المبادرات تنسجم مع الاتجاهات الحديثة في إدارة الموارد البشرية، التي تؤكد أن مستقبل العمل بات يتطلب منظومة متجددة من المهارات الأساسية والمتقدمة في آن واحد، من أبرزها المهارات الرقمية، والتفكير التحليلي، والقدرة العالية على التكيف مع التغيرات المتسارعة في بيئات العمل المعاصرة، كما أصبح التعلُّم المستمر عنصراً جوهرياً في مسار التطور المهني، إذ لم يَعُد الموظف يكتفي بما اكتسبه من معارف وخبرات في بداية مسيرته المهنية، بل بات ملزماً بتحديث معارفه وتطوير مهاراته بشكل دائم ومنهجي لمواكبة التطورات المتلاحقة، التي تُعيد تشكيل طبيعة الوظائف ومتطلباتها باستمرار وبصورة متسارعة.
وثمّة تركيز متزايد في دولة الإمارات على دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز المحركات التي تعيد تشكيل بيئات العمل الحديثة، إذ لم يَعُد مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح عنصراً استراتيجياً محورياً يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين جودة الأداء ودعم عمليات اتخاذ القرار القائمة على تحليل البيانات بدقة وفعالية، ومن هذا المنطلق، تُركز هذه المبادرات على إعداد كوادر بشرية مؤهلة تمتلك القدرة على فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي واستيعاب تطبيقاته المتقدمة وتوظيفها بصورة فعّالة في مختلف القطاعات، بما يحقق قيمة مضافة حقيقية للعمل المؤسسي، ويعزّز من مستويات الابتكار، ويرفع القدرة التنافسية للدولة في بيئة عالمية تتسم بالتغير السريع والتطور التقني المتسارع.
وفي الختام، فإن بناء كوادر بشرية قادرة على التكيف مع متطلبات المستقبل يتطلب تبنِّي رؤية شاملة تجمع بين التدريب المستمر والتطوير المهني، وتهيئة بيئة عمل محفّزة على الإبداع والابتكار، إضافة إلى دمج التقنيات الحديثة في مختلف العمليات المؤسسية، لما لذلك من أثر بالغ في تعزيز جاهزية الكوادر البشرية على مستوى وطني شامل، وترسيخ منظومة حكومية أكثر تكاملاً وابتكاراً، قادرة على مواكبة تطلعات المستقبل وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بكفاءة وفعالية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


