جريدة الإتحاد - 4/30/2026 10:21:23 PM - GMT (+4 )
ليست الحدود عدواً للحرية كما يُصوَّر أحياناً، بل هي في الكثير من الأحيان شرطها الأساسي. فالخطوط الحمراء، في حياة الأفراد والمجتمعات، لا تُقيّد الإنسان بقدر ما تحميه من الانزلاق إلى العنف، ومن تحويل القوة إلى بطش، والإيمان إلى تعصّب، والسلطة إلى تسلّط. وحين تضيع القدرة على التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، يبدأ فقدان البوصلة، مهما حسُنت النوايا.
التاريخ القريب والبعيد يقدّم شواهد واضحة لجماعات ومجتمعات ظنّت أن كسر كل القواعد هو طريق التقدم، فدفعت ثمناً أخلاقياً واجتماعياً باهظاً. في السياسة، رأينا كيف يُبرَّر الخطاب التحريضي باسم «الجرأة»، وكيف تُسوَّق الإهانات العلنية بوصفها «صراحة»، وكيف يبرر «الإرهاب» باسم الدين. وفي الإعلام، تُمنح أحياناً المنصّات لمن يتجاوز الأعراف، بينما يُهمَّش صوت الحكمة والاتزان. أما في الحياة الاجتماعية، فكم من علاقات انهارت لأن الأمانة، وضبط اللسان، واحترام الكرامة الإنسانية عُدّت قيوداً لا ضرورة لها.
المفارقة أن الحدود لا تُضعف الإنسان، بل تصون إنسانيته. فهي التي تحفظ الأمانة بين الأزواج، وتصون الحياة من أي انتهاك، وتمنع الخصومة من التحول إلى فجور، والاختلاف من الانحدار إلى كراهية. وعندما تُنتهك هذه الحدود، لا يتحقق التقدم المنشود، بل الضرر الحتمي، والذي أحيانا يصعب إصلاحه.
غالباً ما يبدأ تجاوز الخطوط الحمراء في الضمير قبل أن يظهر في السلوك. يبدأ حين يُقنع الإنسان نفسه بعبارات مألوفة: «أنا حر»، «الظروف تفرض ذلك»، «لا بديل آخر». ومع الوقت، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتم تبني «الغاية تبرر الوسيلة»، ويغدو ما كان مرفوضاً أمراً عادياً. المشكلة ليست في الخطأ، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، بل في التخلي الواعي عن المراجعة، ورفض الاعتراف بالحدود، والفنن في مخالف القوانين، وغياب شجاعة الاعتذار.
في أوقات الأزمات، تتجلى قيمة الحدود أكثر من أي وقت آخر. فالضغوط لا تُسقط الأخلاق، والطوارئ لا تبرر القسوة، والظروف الصعبة لا تلغي المسؤولية، بل في لحظات الشدة، تُكشَف حقيقة الإنسان، وتظهر القيم التي تحكم قراراته، سواء كان فرداً عادياً أو صاحب سلطة.
المعيار الحقيقي، في النهاية، ليس فقط ما هو قانوني أو مسموح به، بل ما يحفظ كرامة الإنسان ويصون إنسانيته. فعندما يُختزل الآخر إلى وسيلة، أو يُبرَّر الأذى باسم المصلحة أو التعليمات، تكون الخطوط الحمراء قد سقطت فعلياً.
إن النضج الحقيقي لا يكمن في القدرة على فعل كل شيء، بل في الحكمة التي تمكّن الإنسان من الامتناع عمّا لا يبني، حتى وإن كان ممكناً أو مغرياً. فحفظ اللسان عن الإهانة، والقلب عن الكراهية، واليد عن هدر الحقوق، هو ما يصنع إنساناً حراً بحق، ومجتمعاً قادراً على التقدم دون أن يفقد روحه.
إقرأ المزيد


