عن اللاشعور
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كثير من الناس لا يرون للفكر النظري قيمة كبرى، فيُخسّسونه، على اعتبار أنه فكر منعزل، يغوص في قضايا نظرية مجردة عن الواقع. وأروم في هذه الفسحة الثقافية أن أقف عند مفهوم نظري نحته الفلاسفة، وطوّره العلماء، والتّلميح إلى دوره الكبير في الكشف عن خبايا الواقع الفردي والجمعي، أقصد به مفهوم اللاشعور.
طبعا، لم يكن فرويد أول من قال باللاشعور، فقد سبقه إلى القول به من الفلاسفة الكبار كل من لايبنتز وشوبنهور ومِسْمِر ونيتشه، لكن مساهمة فرويد كان حاسماً لأنه لم ير اللاشعور مجرد خزّان مظلم، بل تصوّره نسقاً نفسياً منظّماً وفعّالاً. وبعد التطوّر الذي عرفه المفهوم مع لاكان ويونغ، أصبح اللاشعور أداة إجرائية لا تقل في خطورتها عن خطورة مناظير الأرصاد الفلكية، تلكم ترصد آفاق السماوات وهذه ترصد آفاق الأنفس.
تنطلق نظرية فرويد من أن البناء النفسي للإنسان هو أشبه بجبل الثّلج الذي لا يبدو منه سوى جزء يسير. برهن فرويد أن هذه القاعدة هي «اللاشعور»، وهي معظم جهازنا النفسي، أما الجزء الضئيل الذي يظهر فليس غير «الأنا» أو الوعي، وبالتالي بنى فرويد نظريته، المسمّاة بالتّحليل النّفسي على فرضية دور اللاشعور الكبير في تقرير حياة الأفراد صحة ومرضا، واعتبار أن مجمل السّلوكات التي تصدر عن النّاس تستمد توجيهاتها من هذه القارّة المظلمة فيه. 
اقترح فرويد ثلاث طرق للتّفكير في اللاشعور، أولا، باعتباره جزءاً من البناء النفسي بجانب الوعي واللاوعي، ثانياً، باعتباره طريقة دينامية تخترقه صراعات بين الرّغبة والواقع، وثالثا باعتباره طريقة اقتصادية، على أساس أنه يخضع لقوانينه الخاصة ولميولاته ودوافعه ومكبوتاته. 
صوّر فرويد اللاشعور مكاناً للمكبوت والرّغبات والدّوافع، فهو لا يعمل مثل ما يعمل فكرنا الواعي، إذ اللاشعور لا يعرف زماناً ولا تناقضاً ولا شكّاً ولا سببية منطقية، إنه يشتغل بآليتين كبيرتين نجدها في الأحلام، آلية التّكثيف، حيث نجد أفكاراً كثيرة، وقد اندمجت في صورة أو كلمة واحدة، ثم آلية التّحويل، حيث نجد الانفعال وقد انتقل من موضوع مُهدِّد إلى آخر أكثر حياداً. أما أين يتجلى اللاشعور؟ فقد وجد فرويد تجلياته الكبرى في الأحلام، التي لا تخضع لمنطق زمني أو عقلاني، من جهة، واعتبرها فرويد الطريق الملكي إلى اللاشعور. وفي زلاّت اللّسان والنّسيان من جهة أخرى، وفي الأعراض المرضية، من آلام أو هلوسات، من جهة ثالثة.
إن اللاشعور عند فرويد هو ما يصعب علينا الإمساك به، لكنّه في الوقت ذاته هو ما يُحددنا، إنه الذي ينطق فينا عندما نظنّ أننا قد لُذنا بالصمت، إنّه الذي يصدر عنّا عندما نظن أننا قد تحكمنا في أفعالنا، إن اللاشعور ليس لغزاً إنه أرضٌ مجهولة للاكتشاف. 
طوّر يونغ المفهوم الفرويدي عندما لاحظ أن سلوكات الأفراد لا تنطلق من لاشعور فردي بل تمتد إلى أسماه بـ«اللاشعور الجمعي»، فالفرد لا يحمل إرث طفولته ومكوناته البيولوجية من ليبدو وإيروس وتيناتوس، بل يحمل إرثاً ثقيلاً يمتد إلى «طفولة» نشأة الكائن البشري نفسه، لقد نزع يونغ إلى الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والثّقافية للسّلوك الإنساني، ولذا اهتم بدراسة الأساطير وكل ما يكشف عن الجذور العميقة للنّفس الإنسانية مما هو موجود وراء العلم والمنطق.
حديثنا عن اللّاشعور هو تذكير الحُذّاق بأداة نظرية واقعية تلقّاها العلماء بالقبول، وإن اختلفوا في مُحتواها، أداة تفسر لنا عُصاب الأفراد، بل وعُصاب بعض المجتمعات التي تَكْبِتُ زخماً هائلاً من الكراهية والعنف، تخضع لماض سحيق يُهيِّجُها، وهي تظنّ أنّها حرّة في الحركة والمواقف. 
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. 



إقرأ المزيد