الحرب كشفت خواء الأوعية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في هذه الحرب الدائرة عند خاصرة الخليج ومهجته، كشفت كيف هي الأوعية العقائدية والحزبية خاوية إلى درجة التقزز، والاشمئزاز من حاملي صفائح هذه المعتقدات وأحزمتها الناسفة، والتي تبدو لي مثل الأكياس الفارغة في أجواف مكبات القمامة. 
كم سمعنا، وكم صمت آذاننا تلك الأبواق، والظواهر الصوتية، وهي تنعق، وترفع عقيرتها إلى حد النجوم، وتتحدث عن المبادئ، والقيم، ولكن عندما حان الوعيد، واشتد بأس الحرب، وجدنا أنفسنا أمام اختبار صعب على أطفال مشاغبين نالوا الدرجات الدنيا في الامتحان، ولقّنتهم الحرب دروساً في فهم الحقائق، ليس الدسائس، وخبث المعطى، ورجس المنجز. واليوم ونحن نتابع، ونشاهد، ونقرأ في صفحات الوجوه المكفهرة، نصطدم بموجات من الأكاذيب، نعثر على الزبد فيدخل تلك الهزات التي أشاعتها عمائم الدوران حول النفس ومن دون جدوى من دون هدف سوى تخريب الأثاث الذي رتبته، ونظمت حيثياته أنامل التاريخ، لتأتي تلك الهوام، لكي تعبث بالواقع وتجعله كمن يضع يده على غنيمة، ولا يعلم هؤلاء أن العيون ترصد، وذاكرة الأجيال لا تؤجل ليوم غد، بل هي تدق نواقيسها في الآن نفسه وتقول للأغبياء توقفوا، فهذا التاريخ منذ الأزل، وهو يخاطب الخليج العربي باسمه الفصيح، ولا يخطئ المعجم ولا تفرط المفاهيم عن خيط المسبحة، فالخليج، وإن تمهّل فتلك سجيته في التعاطي مع الأحداث الكبيرة، ولكن موجاته لا بد وأن تكون مزلزلة ساعة هبوب رياح الحقيقة، فلا داعي لهذه الأبواق، والأواني الفارغة، فإن ضجيجها ليس ألا قرقعة أوانٍ في مطبخ بدائي لا محتوى ولا دخان إلا دخان ذخائر عطبت آلاتها الصدئة. التاريخ لن يكف عن البوح طالما أن الحق لا يضيع وراءه مطالب، وكل قطرة دم يهدرها الغدر، لا بد وأن تشرب من ملح الخليج العربي، وتكبر في صلابتها، وقوة معناها، فلا يغرنكم السلام النفسي، ولا يغرنكم صوتكم العالي، فكم من النعاج تثغو، ولكن ليس لثغائها إلا زئير يهز الفرائص، ويمحق الكبرياء المزعومة. 
لا يغرنكم هدوء الخليج، فبين بياض موجاته صهيل صحراء روضت الوحوش، وقبعت أمامها أنياب أصبحت بعد الحنث محارات مقذوفة من علو كذب لا تبرير له سوى أنه دفاع عن ضعف، وحين تشمر موجة الخليج كبرياءها، وتقول للغدر كفى، فهنا تسكن الحقيقة، والحقيقة هي رجال أوفياء عاهدوا الله بأن يكون الوطن، هو المهجة، هو اللُجة التي ستغرق الحاقدين، وتنهي المرحلة بانتصار للحقيقة، والألعاب البهلوانية إلى زوال ونهاية عهود غابرة. 
هذه هي رسالة الخليج العربي من مضيقه إلى صبوة حريقه، هذه رسالة الخليج وهو الضامن الوحيد لنهاية مأساوية، لكل من فكّر في السباحة ولم يزل يحبو على أرض ثقافة الادعاء، وازدراء الحقيقة.



إقرأ المزيد