جريدة الإتحاد - 5/3/2026 11:53:00 PM - GMT (+4 )
فلسفة «اليسار» وفكره ونماذجه السياسية موجّهةٌ بشكلٍ كاملٍ ضد «الدول الملكية» حول العالم، وفي عالمنا العربي تشكّلت التيارات اليسارية بناءً على عداوة «الملكيات العربية»، وعلى رأسها دول الخليج العربية. ومن هنا فاليسار بكل أشكاله وأنواعه ونماذجه السياسية هو عدوٌ أساسيٌ لدول الخليج العربية، لا فرق في ذلك بين يسارية ماركس أو يسارية لينين، ولا بين يسارية ستالين ويسارية ماو.. فالكل أعداءٌ على طول الطريق، وهي عداوةٌ فلسفيةٌ وفكريةٌ لا سياسيةٌ فحسب.
الإعلام الأميركي في الزمن المعاصر، وبخاصةٍ الإعلام الإخباري منه، هو إعلامٌ يُمثّل تيار «اليسار الليبرالي» التابع للحزب الديمقراطي، وهو تيارٌ له أتباعه في منطقتنا، وسائل إعلامٍ وكتّابٍ، ولا يُكِنُّ أيَّ مودةٍ للدول العربية عموماً ولا لدول الخليج العربية خصوصاً.
لقد تغيّر الكثيرُ في ثوابت السياسة الأميركية بعد الاستقطاب التنافري بين حزبيها الرئيسيين، «الجمهوري» و«الديمقراطي»، وأصبحت منطقة الشرق الأوسط بالتحديد مجالاً لرصد تأثيرات الانقسام الأميركي غير المسبوق وانعكاساته على العالم، فبينما اتجه أوباما وسياساته واستراتيجيته، ومن بعده خليفته بايدن، باتجاه الخضوع لإيران وتوسُّعها في المنطقة وتدخلاتها الخارجية واعتداءاتها المنتظمة، وقرَّر غضّ الطرف عن مشروعها النووي، بل أقرّ بتسليم المنطقة لطهران وجماعات الإسلام السياسي الشبيهة لها.. وقف ترامب على العكس تماماً وتصدّى معه «الجمهوريون» للسياسات الإيرانية كلها، ورفضوا سيناريو سيطرة طهران لما يحمله من خطر علينا وعلى منطقتنا. وقد اتخذ ترامب قرارَ الحرب عن وعيٍ وذكاء واستباقٍ للأحداث.
ولمن يريد معرفةَ ضرر الإعلام اليساري الأميركي، فعليه أن يتذكر أن ما كان يُعرف باسم «الربيع العربي» الأسود ما كان ليكون لولا «اليسار الليبرالي» وداعموه في وسائل الإعلام الأميركية والعربية التابعة لها. ويعلم الجميع كيف عمل هذا الإعلام «اليساري الليبرالي» بسرعة وفعالية ضد ترامب في ولايته الثانية، وكيف أصرَّ على وصفه بـ«الشعبوي» و«المتشدد» وبأنه يُمثّل خروجاً عن طبيعة السياسة الأميركية، بل والهوية الأميركية، وسعَوا لإسقاطه بشتى الطرق، كما زعموا جميعاً بأن «الترامبية» ستنتهي وتتلاشى مثل أحلام المستغرقين في النوم، وكان ذلك تفكيراً رغبوياً تأثّر به بعضُ الكتّاب العرب بعيداً عن التفكير العقلاني والواقعي.الإعلام اليساري الليبرالي الأميركي ومنذ اشتداد الصراع الأميركي الداخلي بين الديمقراطيين والجمهوريين يقف دائماً وأبداً ضد الدول العربية، شعوباً وحكوماتٍ، وقد دعّم بوعيٍ كلَّ محاولات تسليم المنطقة لإيران عبر «الاتفاق النووي» المشؤوم، كما دعّم بوعي تسليمَ الجمهوريات العربية إلى جماعة «الإخوان». وكان لدى قيادات هذا الإعلام موقفٌ معادٍ لدول الخليج العربية. وفي خِضمِّ الحرب الشرسة القائمة اليوم بين إيران وأميركا، وفي ظل الخسائر غير المسبوقة لإيران، وحالة الضعف والتشتت وضياع البوصلة التي تعانيها، وافتقارها لأي قيادةٍ يستطيع العالمُ التحدثَ معها.. فإن الأمور تتجه نحو تشديد الحصار الأميركي البحري ضد موانئ إيران ووضع النظام الإيراني في وضع «الرهينة».
الخديعة السياسية يفترض ألا تمرّ مرتين، وقد خَدع «الخميني» مفكرين بحجم «فوكو» و«سارتر» في فرنسا التي خرج منها أول مرةٍ، كما خدع الشعب الإيراني بكل فئاته وتياراته السياسية المعروفة بمعارضتها للشاه، مثل الشيوعيين و«حزب تودة» وغيرهم من كل الأعراق والمذاهب والفئات. ثم خدع بعضَ العرب المستعدّين للخديعة، مرةً باسم المذهب ومرةً باسم الطائفة ومرةً باسم استهداف الإمبريالية الغربية.. وكل هؤلاء استمروا في الخضوع لخديعته وخطابه مع «خامنئي» خلال العقود التالية.
وأخيراً، فمَن لم يبصر طبيعةَ الخطر الإيراني في هذه المرحلة، فلن يدركه أبداً، ومَن لم يكن حليفاً لدول الخليج العربية في هذا الوقت، فإنه ليس حليفاً.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


