إيران تخطئ العنوان مجدداً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 لم يكن استئناف إيران اعتداءاتها الإرهابية على دولة الإمارات مجرد خرق لوقف إطلاق النار، بل كشف أن الهدنة مع طهران لا تصمد ما دامت أدوات التهديد نفسها قائمة. فالنظام الذي يستهدف منشآت مدنية بصواريخ ومسيّرات، ويعتدي على ناقلة وطنية تابعة لأدنوك في مضيق هرمز، لا يتعامل مع وقف النار كالتزام سياسي، وإنما كفاصل تكتيكي يعيد بعده تشغيل أدواته القديمة.
استهداف الإمارات بعد الهدنة لا ينسجم حتى مع الحجة التي تكررها طهران عن طبيعة المواجهة. فإذا كانت إيران تقول إن مشكلتها مع الولايات المتحدة أو مع أطراف أخرى، فإن توجيه الصواريخ والمسيّرات نحو دولة خليجية يكشف خللاً واضحاً في منطقها السياسي. إيران هنا لا ترد على مصدر المواجهة كما تدّعي، وإنما تنقل أزمتها إلى دولة جارة، وتحوّل المدنيين والملاحة التجارية إلى أدوات ضغط.
تنكشف هنا الحجة الإيرانية من أصلها. من يفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية هي القوة العسكرية الأميركية، ومن أطلق «مشروع الحرية» لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية هي الولايات المتحدة. فكيف يكون الرد باستهداف الإمارات؟ هنا تحديداً أخطأت إيران العنوان مجدداً. هذه ليست سياسة دولة مسؤولة، وإنما سلوك نظام مأزوم يحاول نقل كلفة أزمته إلى الجوار. وهذه المرة، سيكون لهذا العنوان الخاطئ ثمنه السياسي والأمني.
دعم الولايات المتحدة لـ«مشروع الحرية» وفتح مضيق هرمز يرتبط مباشرة بما تفعله إيران في الممرات البحرية. فالمضيق ليس ممراً إيرانياً خاصاً، ولا منصة لفرض الرسوم أو تهديد السفن أو تعطيل التجارة. هو ممر دولي تمر عبره مصالح دول وشعوب واقتصادات، وأي عبث بأمنه يتحول فوراً إلى ضغط على الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق. لذلك فإن أعمال القرصنة والتهديد في مياه الخليج ومضيق هرمز وباب المندب لا تستهدف دولة بعينها فقط، وإنما تضرب حرية الملاحة التي يقوم عليها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي.لذلك يكتسب التحرك الأميركي الخليجي في مجلس الأمن أهميته. مشروع القرار المتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز لا يتعامل مع المسألة كأزمة عبور سفن فقط، وإنما يضع السلوك الإيراني في إطاره الدولي. فالهجمات على السفن التجارية، وزرع الألغام، ومحاولة فرض رسوم على المرور الآمن، ليست شأناً إقليمياً محدوداً. ومن الخطأ أن يبقى الرد عليها محصوراً في بيانات الإدانة، فالمطلوب موقف دولي حازم يردع تهديد الملاحة ويمنع تحويل المضيق إلى ورقة ابتزاز.
أما النفي الإيراني بعدم وجود خطة لاستهداف الإمارات فلا يغيّر من الحقيقة شيئاً، ويزيدها وضوحاً. فالتصريحات المتناقضة، بين نفي الاعتداء والتصعيد في الخطاب ومحاولة الظهور بمظهر الطرف الدبلوماسي، تعكس ارتباكاً داخل النظام وتعدد مراكز القرار فيه. وإذا كان القرار في طهران بهذا القدر من التناقض، فإن الالتزام بأي هدنة أو تفاهم يصبح أقل موثوقية. وأمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على تعهدات نظام لا يضبط أدواته، أو يضبطها ثم يتنصل من نتائجها.
الإمارات تتعامل مع الاعتداءات الإيرانية من موقع الدولة الواثقة بسيادتها ومؤسساتها. لذلك جاء موقفها حازماً في تحميل طهران المسؤولية الكاملة، وفي الاحتفاظ بحقها المشروع في حماية أمنها وسلامة أراضيها وفق القانون الدولي. فالدولة التي تحمي مواطنيها والمقيمين على أرضها ومنشآتها المدنية لا تحتاج إلى خطاب تصعيدي، وإنما إلى موقف ثابت يردع الاعتداء ويحفظ حقها في الرد.
بعد هذه الاعتداءات الإرهابية، لم يعُد كافياً الحديث عن ترميم الهدنة أو العودة إلى وقف إطلاق النار بالشروط السابقة. ولا معنى لأي ترتيب مؤقت يسمح لإيران بإعادة تنظيم أدواتها ثم استخدامها من جديد. المطلوب موقف دولي أكثر وضوحاً، يربط أي تهدئة بتفكيك مصادر التهديد، من الصواريخ والمسيّرات إلى القرصنة البحرية والوكلاء.
*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد