«فصل جديد» بين الهند وبنغلاديش
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تشهد العلاقاتُ بين الهند وبنغلاديش في الوقت الحالي عمليةَ إعادة ضبط، بعد أن تدهورت في أعقاب الاحتجاجات التي أدت إلى استقالة رئيسة الوزراء البنغالية السابقة الشيخة حسينة قبل عامين. وتأتي تلك المرحلة بعد أشهر من التوتر الذي بلغ حدَّ توقف البلدين عن إصدار التأشيرات وفتور التواصل بينهما.

وساءت العلاقات بين الطرفين بعدما فرّت الشيخة حسينة من دكا ولجأت إلى نيودلهي.

ومع مقتل أكثر من 280 شخصاً، غالبيتهم من الطلاب، وخلال تلك الاحتجاجات، تصاعَد الغضبُ داخل بنغلاديش تجاه الهند بسبب قرار نيودلهي منح الشيخة حسينة اللجوء. وتفاقم التوترُ أكثر في ظل الحكومة المؤقتة التي تشكلت في بنغلاديش برئاسة البروفيسور محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل. كما أن دعم الهند للشيخة حسينة أسهم في تشكيل رأي عام سلبي داخل بنغلاديش، حيث ساد شعورٌ قوي معادٍ للهند. واستمر تدهور العلاقات، رغم أنها كانت ذات يوم نموذجاً لحُسن الجوار. ورغم ذلك، لم يكن ثمّة شك في أن البلدين لن يسمحا بانزلاق الموقف إلى ما هو أسوأ، نظراً للروابط الاقتصادية الوثيقة بينهما وتاريخهما المشترك. وتعود جذور العلاقة بين الهند وبنغلاديش إلى حرب التحرير التي نالت خلالها بنغلاديش استقلالَها عن باكستان.

وأسهم دور الهند في تلك الحرب في توطيد العلاقات بين البلدين. ورغم ما حدث من تقلبات، فإن أهمية هذه العلاقات لم تتراجع حتى في أصعب الفترات. وبلغت التقاربُ ذروتَه في عهد الشيخة حسينة، التي قدمت دعماً للهند، يشمل التعاون الأمني وقمع المتمردين الذين كانوا ينشطون في شمال شرق الهند ويتخذون من بنغلاديش ملاذاً، كما سمحت للهند باستخدام الأراضي البنجالية للوصول إلى تلك المنطقة.

ومع ذلك، ظلت هناك نقاط توتر تتعلق بالهجرة والسياسات الداخلية. ورغم ذلك، تعرف العلاقاتُ حالياً إعادةَ ضبط بعد الانتخابات الأخيرة التي انتُخب فيها طارق رحمن، مرشّح «الحزب الوطني البنغالي»، لمنصب رئيس الوزراء، في أبريل 2026.

واستؤنفت الحواراتُ رفيعةُ المستوى بين الجانبين، حيث زار وزيرُ خارجية بنغلاديش نيودلهي الشهر الماضي، بهدف تعزيز العلاقات من خلال فتح «فصل جديد». ويعكس ذلك التواصلُ التوجهَ البراغماتي للجانبين، إذ لا تصبّ العلاقات المتوترة في مصلحة أي من البلدين نظراً للروابط الوثيقة التي تجمعهما. وفي الوقت نفسه، بدأ الجانبان بالتراجع تدريجياً عن قرار تشديد إجراءات التأشيرات.

فقد استأنفت بنغلاديش تقديمَ خدمات التأشيرات الكاملة للمواطنين الهنود، وبالمثل، بدأت الهندُ إعادةَ تشغيل عمليات التأشيرات على مراحل. وهناك الكثير على المحكِّ بين البلدين، إذ تُعد بنغلاديش من أكبر الشركاء التجاريين للهند في جنوب آسيا، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 13 مليار دولار. ويشمل هذا التبادل قطاعات رئيسية مثل الطاقة، مع وجود العديد من المشاريع العابرة للحدود.

كما قدّمت الهندُ الدعمَ لبنغلاديش من خلال تزويدها بالديزل عبر خط أنابيب الصداقة الهندية البنغالية لتجنُّب نقص الوقود الناجم عن الصراع الإيراني الأميركي. وأرسلت الهندُ 5000 طن من الديزل لدعم جارتها، مؤكدةً بذلك سياستَها القائمةَ على «الجوار أولاً»، ومتجاوزةً التوترات الثنائية الأخيرة. وبالنسبة للهند، تظل العلاقات مع بنغلاديش جوهرية لأمنها واستراتيجيتها الإقليمية. إذ يرتبط شمال شرق الهند بالبر الرئيسي عبر ما يُسمى «عنق الدجاجة»، وهو شريط ضيق من الأرض يبلغ عرضه 22 كيلومتراً في أضيق نقطة. وتقع بنغلاديش بجوار هذا الممر الضيق، مما يجعل التعاون في مجالَي الربط والنقل بالغ الأهمية للهند.

ويكمن التحدي أمام الهند في توسيع نطاق تلك العلاقة لمنع أي تأثيرات سلبية عليها نتيجة للتغييرات أو الاضطرابات السياسية. وهناك العديد من القضايا العالقة بين البلدين، مثل حلّ مسألة تقاسم مياه نهر «تيستا» العابر للحدود، ومعالجة الحواجز غير الجمركية التي تُشير إليها دكا باستمرار.

ورغم ذلك، تظل أسس تلك العلاقة متينة. فالجغرافيا تربط البلدين، وهناك ضرورة لضمان استقرار العلاقات، وهو ما يصبّ في مصلحة الطرفين، خاصةً أن الهند تُمثِّل شريكاً اقتصادياً هاماً لبنغلاديش، وهي من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وتتمتع بقاعدة استهلاكية واسعة، فضلاً عن كونها سوقاً تصديرية رئيسية.

وعلاوة على ذلك، تُشكّل مشاريعُ الربط جزءاً محورياً في العلاقات الثنائية. إذ يمتلك البلدان مشاريع ربط متنوعة، بدءاً من خطوط السكك الحديدية وصولاً إلى الممرات المائية الداخلية، مما يُعزّز العلاقات الثنائية بينهما. ورغم وجود بعض نقاط التوتر في العلاقات الثنائية، بما يشمل الحدودَ المفتوحة، إلا أن الهند تُبدي التزاماً جاداً بتعزيز العلاقات مع بنغلاديش.

لذلك، أعلنت الهندُ مؤخراً تعيينَ سياسي من حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم سفيراً جديداً لها في دكا. ومن المتوقع أن يباشر مهامَّه نهاية الشهر الجاري. ورغم تلك التحديات، تبدو العلاقات بين الهند وبنغلاديش مُهيأةً للتحسن الآن بعد فترة من عدم الاستقرار دامت نحو عامين.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي
     



إقرأ المزيد