نووي«قُم» أم نووي«كيم»؟!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يمر العالم اليوم بواقع سياسي أمرّ مما نتصور، تختلط فيه مخاطر الأيديولوجيا مع سياسات عدوانية تهدد الاستقرار وتكبح مسارات التطور والازدهار. ومن بين هذه المخاطر التسلح النووي، على سبيل المثال استشاط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل سنوات، غضباً مهدداً بحرب شعواء لا تدع كوريا الشمالية ولا تذر، عندما لوّحت بيونج يانج باستخدام السلاح النووي، وهددت به جزيرة «غوام» الأميركية!

وهذه الحالة من التصعيد أوصلت الطرفان الأميركي والكوري الشمالي إلى نقطة التقاء بين الكوريتين أولاً، والأهم من كل ذلك موافقة أميركا للجلوس حول طاولة المفاوضات للتوصل إلى صيغة يمكن من خلالها التخلص من السلاح النووي الذي كاد ينقل الحرب الباردة المتواصلة منذ قرابة سبعة عقود إلى حرب كونية، توقفت لحظة المصافحة السياسية بين الكوريتين عند خط الحدود الفاصل بين البلدين. كان السلاح النووي لكوريا الشمالية أداة ابتزاز للحصول على المزيد من المساعدات الإنسانية للشعب الكوري الشمالي بالذات من جمهورية كوريا الشقيقة والصين. لم تسع كوريا الشمالية بسبب امتلاكها لهذا السلاح الفتاك يوماً إلى توسيع نفوذها داخل حدود جيرانها، بل ظلت تراوح مكانها، وكادت أن تحفر قبرها بيديها حتى حان وقت اللقاء المشهود بين «كيم وترامب» ونحن نترقب الساعة مشدوهين إذا لم يغير ترامب رأيه وفقا لمزاجه، وإن كنا نعيش لحظات من بريق الأمل لإنهاء هذه الأزمة التي أكلت من عمر الأجيال في القارة الآسيوية وجاء الوقت المناسب لكلمة «كفى».

وفي القارة الآسيوية أيضاً، هناك النووي الإيراني، الذي يشكل خطورة على الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، ومكمن الخطر ينطلق من عوامل أيديولوجية تظهر من خلال مفاعيل الدستور الإيراني في 1979، عبر ما يسمى بتصدير الثورة، وفي هذه الحالة، فإن الخطر الإيراني، لايبدأ من مفاعل «نطنز» أو غيره فقط، بل يزداد خطورة، عندما ندرك أن «المفاعل النووي» الحقيقي في «قُم» حيث يؤصل، من الناحية الأيديولوجية، لمبدأ تصدير الثورة، وما ينجم عنه من مخاطر جسيمة. من هذا المكان، يتم تصدير بذور الطائفية الملوثة إلى كافة أرجاء العالم، خاصة المنطقة العربية، ودول العالم الإسلامي والبلدان الأفريقية، وصولاً إلى دول أميركا اللاتينية.

ويرفد هذا المكان «أشبال جعفر الطيار» منذ نعومة أظفار أطفال إيران، حتى وقت انضمامهم إلى ميليشيات الحرس الثوري التي اخترقت سيادة الدولة الوطنية في كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن، ولتنفيذ كل ذلك لم تستخدم سلاحاً نووياً واحداً، بل جميع الأسلحة الأيديولوجية سواء سُميت مذهبية أو طائفية أو شيعية اثنا عشرية، فكلها تذهب في اتجاه تفتيت العالم العربي والإسلامي على المدى البعيد وبمساعدة بواباتها الخلفية، التي تعدها إيران ذراعها الاستراتيجي لإعادة بناء شرق أوسط جديد وتعدها بالمن والسلوى، عبر شعارات شعبية براقة وعلى رأسها «نصرة المستضعفين في الأرض»، بعد سحقها بداية من استضعاف شعبها مروراً على رقاب الآخرين؟!

اعتبرت بعض الدراسات العسكرية الأميركية الحديثة بأن إيران أحد أضلاع مثلث برمودا السياسي، لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. إيران تستغل التشيع وسيلة لدغدغة المشاعر الدينية، وتثير نعرات طائفية من التاريخ الغابر، وتعمل على تكثيف غبارها للتشويه على الحاضر.

لكي تصبح طوقاً محكماً وخانقاً على رقبة العرب والمسلمين قاطبة. النظام الإيراني ينتهج سياسات واهمة كما لو أنه يريد إحياء إمبراطورية فارسية وهي في الحقيقة «كسروية» معاصرة، في ثوب متطرف ليس له علاقة بالإسلام، بل بالآلام التي سببه الملف النووي وتداعياته على الإيرانيين، وهو ملف لا يهدف من وجهة نظر ساسة النظام الإيراني، إلا لردع دول الخليج العربية.

على من يبحثون عن الفروقات السياسية بين مشروع التخلص من النووي الكوري الشمالي والنووي الإيراني، فإنه بالتدقيق مليا وإدراك المخاطر التي يشكلها المشروعان، فإن الحالة الإيرانية، أشبه بسبعٍ ضار جائع منذ قرون، يريد الانقضاض على الضحية بأي ثمن، فهل يقبل العالم العربي والإسلامي لنفسه أن يكون رهينة لهذا المصير؟!

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد