جريدة الإتحاد - 5/14/2026 12:37:17 AM - GMT (+4 )
يظل يوم 14 مايو 2022 يوماً راسخاً في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو اليوم الذي بدأت الإمارات مرحلة جديدة، يوم استلام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، دفة قيادة الوطن. وتمثّل السنوات الأربع الأولى من تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئاسة الدولة، مرحلة الهندسة الاستراتيجية الشاملة، حيث لم تعُد الدولة تكتفي بمواكبة التطور العالمي، بل باتت تسعى إلى صناعته وتوجيهه وفق رؤية وطنية. وهذه الفترة لم تكن مجرد استمرارية للنموذج الاتحادي الراسخ، بل كانت عملية إعادة تعريف لمفهوم القوة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل القوة الاقتصادية مع التفوق التكنولوجي، والاستقرار الاجتماعي مع السيادة الجيوسياسية.
وتقوم فلسفة القيادة في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على ركائز تتجاوز الأطر التقليدية للإدارة، حيث يُنظر إلى التنمية بوصفها مشروعاً سيادياً طويل المدى، يتخذ من رفاه الإنسان غاية، ومن الابتكار الرقمي وسيلة، ومن الدبلوماسية المتوازنة مظلّة لحماية المكتسبات. وخلال أربعة محاور أطرحها في المقال أرصد بعضاً من تلك التحولات والتطور الاستراتيجي في الدولة، التي أحدثها سموه انطلاقاً من رؤيته لمستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة.
المحور الأول: الإنسان أولاً - الأسرة كنواة للأمن الوطني والرفاه المستدام.
تتجذر فلسفة القيادة في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في مبدأ أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وهو المبدأ الذي تحوّل في السنوات الأربع الماضية من شعار إلى خطة عمل مؤسسية ومؤشرات أداء قابلة للقياس. إن الرؤية الرئاسية ترى أن استدامة الدولة مرتبطة عضوياً باستقرار الأسرة الإماراتية، وبناء جيل يمتلك المهارات العالمية مع الحفاظ على هويته الوطنية الأصيلة.
ويعد إعلان عام 2026 عاماً للأسرة في دولة الإمارات علامة فارقة في مسيرة التنمية الاجتماعية، حيث وجّه سموه بأن يكون هذا العام منصةً لتعزيز الروابط الأسرية، وحماية النسيج المجتمعي. ويأتي هذا التوجه مدعوماً بالأجندة الوطنية لتنمية الأسرة 2031، والتي تسعى إلى رفع الوعي بأهمية التماسك الأسري كركيزة للأمن القومي. إن التركيز على الأسرة في سياسة الشيخ محمد بن زايد، لا يقتصر على الجانب الرعائي، بل يمتد ليكون جزءاً من تعريف القوة الناعمة الداخلية، حيث إن المجتمع المتماسك هو الأقدر على مواجهة التحديات الخارجية والأزمات العابرة للحدود. وشهد قطاع الإسكان في السنوات الأربع الماضية طفرة غير مسبوقة، حيث تم ربط السكن بجودة الحياة والاستقرار النفسي للمواطن، حيث إن السياسة الإسكانية انتقلت من مجرد توفير مأوى إلى بناء مجتمعات متكاملة، تتوفر فيها كافة الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية، مما يعزّز من مفهوم المواطنة السعيدة، ويدفع المواطن للمساهمة الفعّالة في مسيرة التنمية الوطنية.
المحور الثاني: اقتصاد ما بعد النفط - سيادة التنوع وتحرير الموارد
يعتبر التحول الاقتصادي الذي قاده صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، خلال السنوات الأربع الماضية أحد أبرز قصص النجاح العالمية في إدارة الموارد.
لقد انتقلت الإمارات من دولة تعتمد على النفط إلى دولة تستخدم النفط لبناء اقتصاد معرفي مستدام لا يتأثر بتقلبات أسواق الطاقة العالمية. سجل الاقتصاد الإماراتي أرقاماً قياسية تعكس نجاح استراتيجية التنويع، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نمواً بنسبة 5.1% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. ولكن الرقم الأكثر دلالة هو نمو القطاع غير النفطي بنسبة 6.1%، مما يثبت أن محركات النمو باتت تتركز في قطاعات المال، كما أن الاقتصاد الإماراتي لم يعد مجرد سوق محلي، بل تحوّل إلى مركز عالمي للتجارة، حيث في عام 2025 حققت التجارة الخارجية غير النفطية 3.8 تريليون درهم بزيادة 26.8% عن العام السابق مقتربة من تحقيق أهداف كانت مرسومة لعام 2031 قبل موعدها بخمس سنوات.
وتعتبر سياسة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية واحدة من الأدوات الدبلوماسية الاقتصادية الواضحة خلال السنوات الماضية. منذ بداية عام 2026 حتى الآن وقعت الإمارات أكثر من 32 اتفاقية مع دول تشكل ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً.
كما عزّزت دولة الإمارات موقعها كوجهة إقليمية وقوة فاعلة عالمية متقدمة، بعدما بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إليها 167.6 مليار درهم، أي 45.6 مليار دولار، في عام 2024، بنمو 48%، لتحتل المرتبة العاشرة عالمياً وتستحوذ على 37% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، هذا النجاح يعزى إلى البيئة التشريعية المرنة، والاستقرار السياسي، وتوافر بنية تحتية رقمية ولوجستية هي الأحدث عالمياً.
المحور الثالث: السيادة التكنولوجية – الذكاء الاصطناعي والريادة الرقمية.
فالتكنولوجيا في الرؤية الإماراتية الحالية هي واحدة من أهم عناصر القوة الوطنية، انطلاقاً من يقين سموه بأن الدولة التي تمتلك البيانات والعقول المنتجة للحلول هي التي تمتلك موقعاً ريادياً في المستقبل.
وانطلاقاً من تلك الرؤية أُطلقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعة من نوعها في العالم، كما أنه مؤخراً أطلقت الإمارات مبادرة حكومية وصفت بأنها الأولى من نوعها عالمياً، وهي نشر نماذج من الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة في جزء كبير من القطاعات والعمليات الحكومية خلال عامين.
هذا النموذج يختلف عن الذكاء الاصطناعي التقليدي بقدرته على التحليل واتخاذ القرار والتنفيذ والتحسين الذاتي بشكل مستمر لتحقيق أهداف محددة، مما يحوّل الآلة إلى شريك تنفيذي في الإدارة، وينعكس ذلك على تعزيز الكفاءة الحكومية في إدارة مصالح المواطنين. ونظراً لأهمية القاعدة البشرية التي تُدير هذه المنظومة الذكية، تم إدراج مادة الذكاء الاصطناعي كمادة أساسية في كافة مراحل التعليم، والهدف هو بناء أجيال تمتلك الثقافة الرقمية العميقة، والتي تكون قادرة على المنافسة الفاعلة في سوق العمل، الذي سيهيمن عليه الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
المحور الرابع: السيادة والدبلوماسية والاستدامة.
الإمارات قوة توازن عالمية، فخلال السنوات الأربع الماضية عزّزت الإمارات صورتها كدولة هادئة وقوية وتتبع سياسة اليد الممدودة بالصداقة للجميع، لكنها لا تساوم أبداً على سيادتها واستقلال قرارها، ورأينا ذلك واضحاً في الكثير من القرارات السيادية، والتي كان منها مؤخراً الانسحاب من منظمة الأوبك وأوبك بلس تحقيقاً للمصلحة العليا للدولة. ويعكس ذلك تحوّل الإمارات في السنوات الأخيرة إلى قوة توازن إقليمية ودولية وصاحبة دور محوري في استقرار أسواق الطاقة وحلّ النزاعات العالمية، حيث أصبحت الإمارات الوسيط المفضّل في العديد من الأزمات الدولية نظراً لقدرتها على التوازن في علاقاتها الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، ويتجلى ذلك بوضوح في ملف تبادل الأسري بين روسيا وأوكرانيا، حيث نجحت الدبلوماسية الإماراتية المتوازنة على تحقيق وساطة أتمت من خلالها 22 عملية تبادل أسرى حتى شهر أبريل 2026 أسفرت عن عودة 6691 أسيراً إلى عائلاتهم. وهذه النجاحات الدبلوماسية لا تعكس فقط الثقة الدولية في الإمارات، بل تؤكد على مفهوم القوة الناعمة التشغيلية، التي لا تكتفي بالكلام وبناء صورة جميلة فقط، بل تقدّم حلولاً ملموسة للأزمات الإنسانية.
وعلى الرغم من كون الإمارات دولة منتجة للطاقة، إلا أن الإمارات تقود حراكاً عالمياً في الطاقة المتجددة عبر استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية مثل مجمع محمد بن زايد للطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، بالإضافة إلى تشغيل محطات براكة للطاقة النووية السلمية، مما يجعلها نموذجاً عالمياً للانتقال العادل والواقعي للطاقة. كما حافظت الإمارات على موقعها ضمن النخبة العالمية في مؤشر القوة الناعمة العالمي 2026، حيث احتلت المركز العاشر عالمياً.
هذه السمعة القوية هي التي تجعل الإمارات الوجهة المفضلة للمواهب والاستثمارات والشركات العالمية. إن قراءة السنوات الأربع الأولى من رئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تكشف عن مشروع نهضوي متكامل يهدف إلى جعل الإمارات دولة سيادية كبرى في تأثيرها، مهما يكن حجمها الجغرافي. تقوم هذه النهضة على موازنة دقيقة بين الأصالة والمعاصرة بين حماية الأسرة الإماراتية وقيمها، وبين تبني أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيل. لقد نجح سموه في تحويل الإمارات إلى واحة استقرار في منطقة مضطربة وبنى مظلّة طمأنينة حمت الوطن في ظلّ تعرضه لصواريخ ومسيرات كراهية من النظام الإيراني، كما أنه جعلها محرك نمو في اقتصاد عالمي متباطئ.
إن ملامح المستقبل تنبئ بأن الإمارات دولة تمتلك سيادتها الغذائية والمائية والتقنية، وتدير علاقاتها الدولية بمهارة الجراح، وتضع رفاهية المواطن الإماراتي، وكل إنسان يعيش على أرض الإمارات كبوصلة لكافة سياساتها. ومع التوجه نحو مئوية الإمارات 2071، تبدو الدولة اليوم أكثر ثقة، وأكثر قوة، وأكثر استعداداً للريادة.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
إقرأ المزيد


