جريدة الإتحاد - 5/19/2026 9:06:10 PM - GMT (+4 )
في معايير التنافسية والتقدم الحضاري والعلمي، لم يَعُد كافياً للدول الطامحة إلى الريادة أن تواكب المتغيرات، بل أن تستبقها، لأن التفوق في عالم التحولات المتسارعة لا يُمنح لمَن ينتظر، بل لمَن يُعيد صياغة قواعد المستقبل قبل أن تفرض التحولات واقعاً جديداً.
وفي هذا السياق، لا يُقرأ إعلان مجلس الوزراء الإماراتي، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، «حفظه الله»، بتحويل 50% من العمل الحكومي إلى نماذج ذكاء اصطناعي ذاتية التنفيذ خلال عامين، كخطوة لتحسين الخدمات أو تسريع الإجراءات، بل كتحوّل استراتيجي تُعاد فيه هندسة بنية الدولة ومنطق القرار ذاته، حيث لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يمتد إلى طريقة إنتاج القرار ومعايير الكفاءة والسيادة الرقمية، بحيث لا يُدار المستقبل… بل يُصاغ.
الرهان لا يكمن في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل الحكومي، بل في نقله من أداة مساعدة إلى فاعل تنفيذي يدير دورة القرار كاملة. فلم تَعُد الأنظمة تكتفي بالتحليل أو التوصية، بل تدير الرصد والتخطيط والتنفيذ والتقييم بصورة شبه ذاتية.
بهذا المعنى، يُعاد تعريف مركز القرار داخل الدولة. فبعد أن كان نتاج تدرّج بشري وتسلسل إداري، يصبح قائماً على منظومات قادرة على الإدراك اللحظي وربط المتغيرات أثناء تشكّلها. لم يَعُد القرار يُبنى بعد اكتمال الصورة، بل في لحظة تشكّلها نفسها. وهنا تتحول السرعة إلى أداة سيادية: من يدرك أولاً، يقرر أولاً.
وما يمنح هذا المسار وزنه أنه التزام تنفيذي مُلزم، مع ربط تقييم الوزراء ومديري الجهات بمدى القدرة على مواكبته وتسريع تطبيقه. بذلك، يتحول الذكاء الاصطناعي من مشروع تقني إلى ركيزة في بنية القوة الوطنية تُقاس بها كفاءة الدولة وجاهزيتها لعصر يُعاد فيه تشكيل ميزان القوة، بعدما لم يَعُد مجرد أداة تقنية، بل أحد معايير النفوذ في النظام الدولي الجديد.
والأرقام هنا ليست تجميلاً بل مؤشراً. فأنظمة الحوسبة في الإمارات دخلت قائمة أفضل 20 نظاماً عالمياً في تصنيف TOP500 لعام 2025.
ولم يَعُد الذكاء الاصطناعي في الإمارات قطاعاً تقنياً منفصلاً، بل بنية تشغيلية تتداخل مع منطق الدولة نفسها. فبناء منصات سيادية للحوسبة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تأسيس أذرع استثمارية متخصصة، يؤكد أن هذا المسار تجاوز مرحلة الطموح إلى التنفيذ الفعلي.
حكومياً، لا يقتصر هذا التوجه على تسريع الأداء، بل يعيد تشكيل البنية التقليدية للدولة ضمن منظومة مترابطة تتكامل فيها البيانات والقرار. وهنا لا تُقاس الكفاءة بحجم الموارد، بل بقدرة الدولة على توظيفها بسرعة وعلى نطاق شامل.
ولا تكمن القيمة في تحسين الخدمات فحسب، بل في انتقال الدولة من الاستجابة للمتغيرات إلى توقّعها قبل تشكّل آثارها. ومع انخفاض كلفة القرار والتنفيذ، تتحول الكفاءة إلى مصدر نفوذ، وتنتقل الدولة من استيراد الحلول إلى صناعة قواعدها.
وفي علاقتها بالمجتمع، لم تَعُد الخدمة استجابة لطلب قائم، بل فعلاً استباقياً يسبق الحاجة إليه. ويتراجع الزمن البيروقراطي لصالح منظومة إدراك وتوقّع واستجابة.
وهنا تتحدد السيادة التقنية الحقيقية. فالأنظمة القائمة على البيانات والخوارزميات لا تدير الخدمات فقط، بل تصوغ فهم الواقع نفسه. ومن يملك بناء هذه النماذج يملك استقلال قراره، بينما لا يعني استيراد التقنية سوى استيراد منطقها وحدوده. وفي هذا المسار، ينتقل دور الإنسان من تنفيذ الإجراءات إلى تصميم الأنظمة.
وفي عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوة عبر البيانات والخوارزميات، لن يُقاس النفوذ بحجم الموارد وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم في القرار وسرعة إنتاجه واستقلاله. فالدولة التي تملك نماذجها لا تدير خدماتها فحسب، بل تملك أولوياتها وحدود قرارها السيادي.
وفي القرن الحادي والعشرين، لن تتقدم الدول بما تمتلكه من أدوات، بل بقدرتها على إعادة تعريف نفسها قبل الآخرين. لأن التأخر في عالم التحولات المتسارعة لم يَعُد فجوة زمنية، بل فجوة سيادية. وهنا تحديداً، لا تنتظر الإمارات المستقبل، بل تتقدّم لصياغة قواعده وملامح مرحلته القادمة.
*كاتب وباحث إماراتي
إقرأ المزيد


