جريدة الإتحاد - 5/23/2026 12:20:45 AM - GMT (+4 )
في السفر والمدن هناك محطات تلزمك التوقف، هي مثل قصاصات متفرقة مبعثرة مرمية ومنسية في زوايا الأمكنة، هي مطويات من دروب السفر، منعطفات في مفترق الطرق، هي من الأشياء الكثيرة والمتفرقة التي نحملها في حقائبنا من مدن الجهات الأربع، قد تكون صغيرة، وجزءاً من تفاصيل شاردة، وقد لا تعني لكل الناس أمراً مهماً، لكنها تمسك بالمسافر بحب نحو أمكنتها وحده، ولا تجعله يمر دون أن تحرك في داخله شيئاً من وجع تعب المسافات، وشيئاً من وَجْد الليل، حين يأتي الليل بالذكريات، وحين تهزه نهار المسافات نحو فضاءات الحياة الجميلة والملونة:
⁃ لا أدري.. كلما مررت بمدينة أو بقرية صغيرة، ورأيت حماراً يرعى بكسل أو يمشي على مهل، شارداً سارحاً دون عجل، أشعر أن هذه المدينة أو القرية حيّة، وأنها عاشت وقتها، وأن أهلها زرعوا من الشجر الكثير، وأن الظلال في ديارهم وارفة، لا أدري لِمَ يشعرني ذاك الحيوان الصابر والحكيم والمهادن أن الحياة البريئة مرتبطة به، وأنه شَاهَد بصمت أحداثاً عجب لها، وأشخاصاً لم يكن مقتنعاً بهم؟ وحده عمله الذي أدّاه بصبر متناه، كان الشفيع له أن لا يأكل الإنسان المستوحش لحمه، الحمار وحده من يَدُلّك على أن الحياة كانت هنا، وكانت عامرة بالخير والسكينة، وأن الصبر يبني المدن، ويمد في عمر الحياة.
⁃ في مدينة «تركستان» الكازاخية التاريخية، والتي استمدت اسمها من سكانها الأتراك الذين انطلقوا منها، وعلى مسافة منها بقرابة ساعتين يوجد منبع ماء ناتئ من بين الصخور العميقة، لا تتسع هوته إلا لدلو صغير، يعدّه الأهالي ماء مباركاً، فيؤمه الناس من كل مكان، ومن مختلف الملل للتبرك، وطلب الأمنيات، والتزود بطاقة روحانية من المكان، لأنهم يعتقدون، جازمين، ومؤكدين بالدراسات الجيولوجية، أنه مرتبط من خلال الصخور الجوفية، وعروق الماء، بماء زمزم في مكة، وله الطعم نفسه، ولكي تصل إليه عليك أن تصعد درجاً صخرياً طويلاً، وبعد أن يقرأ المشرف على ذاك النبع الأدعية تتقدم برجلك اليمين، وتمسك حبل الدلو أو الرشاء باليد اليمين وتسقطه حتى يصل القاع، ومن ثم تسحبه، فإذا كنت محظوظاً جاء دلوك مملوءاً وبارداً، وإذا كنت غير ذاك ظهر الدلو فارغاً، وقد جرّب غيري ذاك النهار، وظهرت دلاؤهم فارغة، وبعد تردد أقدمت، وألقيت بالدلو، ثم رفعته، فظهر مملوءاً بالماء البارد، فشربت منه وأسقيت من معي، وطلبت أم أن أعطي ابنها الصغير ما يملأ مرضعته، فهلل وكبّر المشرف، وبانت عليه علامات المباركة، ورجاء التشفع، معتقداً أنني من نسل العرب المسلمين الفاتحين، فتجمهر الحضور حولي، فاستعجلتهم بالرحيل، واضعاً يدي على صدري دليل الطمأنينة والسكينة، كما يفعل عادة الدرويش السالك دروب الله بالبسملة والحمد، داعياً لهم بالبركة في بئرهم، لأني شعرت أنهم كانوا ينّوون أن أؤمَّ بهم صلاة العصر جماعة، وهؤلاء قد لا يقبلون بصلاة السر، ويصرون على الجهر، وسماع القرآن، لأن لديهم ذاك الشوق العميق للدين وسماع القرآن بالعربية، وربما يرغموني على خطبة عصماء.. وغداً نكمل
إقرأ المزيد


