جريدة الإتحاد - 5/25/2026 11:58:43 PM - GMT (+4 )
قد ينطوي هذا السؤال الذي يحمله العنوان على قدر من المبالغة، فمن المؤكد أن الصين قد أصبحت مركزاً عالمياً مهماً، لكن الجدل موجود بالتأكيد حول أن تكون «مركز العالم»، لسبب بسيط وهو أن الولايات المتحدة ما زالت تُعَد القوة الأولى فيه، وإن كان عديد من المحللين يرون أنها بدأت مرحلة تراجع، سواء بسبب تعدد التزاماتها العالمية وما تتكلّفه في هذا الصدد من موارد هائلة، أو لصعود القوتين الروسية والصينية.
غير أن ما دفعني لاختيار هذا العنوان للمقال -مع حرصي على وضعه في شكل سؤال- هو ما بدا في الأشهر الأخيرة من أن الصين قد أصبحت «وجهة» لعديد من زعماء قوى دولية مهمة، وكأن التواصل معها قد أصبح عاملاً مهماً في التحركات الخارجية لأي قوة كبرى، ناهيك عن أن تكون قوة متوسطة أو صغيرة. وقد بدت هذه الظاهرة شديدة الوضوح بعد تصاعد الأزمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعظم حلفائه الأوروبيين بل والأميركيين ككندا والمكسيك والبرازيل، بسبب مواقفه من قضايا خارجية عديدة ومهمة، كتلميحاته المتكررة بضم كندا، ومطالبته الصريحة بضم جرينلاند، وغير ذلك من تصريحات طالت بلداناً مثل المكسيك والبرازيل وبنما.
ولا يمكن نسيان حقيقة أن دونالد ترامب بدأ ولايته الثانية بنهج مخالف لنهج حلفائه الأوروبيين في تسوية الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، وكرد فعل لهذا كله بدأ زعماء ومسؤولون غربيون يطلقون تصريحات انتقادية لمواقف ترامب تتضمن ضرورة الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة الأميركية. والأهم هو سلسلة الزيارات التي قام بها زعماء عديدون لدول مهمة في التحالف الغربي للصين، وكان الخط الواضح في كل هذه الزيارات هو التأكيد على الشراكة الاستراتيجية معها، في رسالة واضحة -وإن كانت غير مباشرة للولايات المتحدة الأميركية- مفادها أن أوروبا يمكن أن تخرج من المأزق الاستراتيجي الذي وضعها فيه ترامب بالانفتاح على الصين، والمشكلة بالنسبة للمكانة الدولية للولايات المتحدة أن الصين مستعدة بكل تأكيد لاغتنام هذه الفرصة لتطوير علاقاتها مع أوروبا، بحيث يكون من الصعب على دولها التراجع عن علاقتها بالصين، حتى ولو جاء بعد ترامب رئيس يعيد الأمور إلى ما كانت عليه بالنسبة لأوربا، ويعني ما سبق أن صورة القمة العالمية الجديدة لن تتكون من إضافة القطبين الصيني والروسي لها فحسب، وإنما ستكتمل بحدوث تشققات في التحالف الغربي ذاته.ثم زادت الصورة وضوحاً في الشهر الجاري بقيام الرئيسين الأميركي والروسي بزيارتين للصين لم يفصل بينهما سوى أيام قليلة، ومع أن موعدي الزيارتين كانا محددين سلفاً إلا أنه بدا وكأن توقيتهما كان مقصوداً من الصين لتبديد الانطباع الذي حاول ترامب أن يشيعه بشأن المكاسب التي حصل عليها من زيارته، وبعضها لا ينطوي على جديد كموقفها ضد الانتشار النووي ومع حرية الملاحة الدولية، وبعضها الآخر لم يكن صحيحاً، كقوله إن الرئيس الصيني قد وعده بعدم تزويد إيران بأسلحة، وقد كذَّبت الخارجية الصينية هذه المقولة بدبلوماسية شديدة، عندما ذكر بيانها أن سياسات التسليح الصينية لا تُناقش مع الضيوف الأجانب، ثم أتت زيارة الرئيس الروسي بوتين بعد 4 أيام فحسب من زيارة ترامب لتُكمل ملامح الصورة بشأن المواقف الصينية تجاه القضايا الدولية، والتنسيق التام بينها وبين المواقف الروسية، وهو ما يحتاج معالجة خاصة.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.
إقرأ المزيد


