جريدة الإتحاد - 6/1/2026 10:38:27 PM - GMT (+4 )
تقوم ولاية الفقيه على فكرة أن الفقيه ينوب عن الإمام الغائب، ويتولى قيادة الناس، وقد رفع الخميني مكانة الولي الفقيه إلى مرتبة جعلت طاعته أساساً للتكاليف الإلهية، ثم حوّلها بعد ثورة 1979 إلى مشروع حكم ونفوذ يسعى إلى بسط سلطة الولي الفقيه خارج حدود إيران، وربط ولاء الشيعة في مختلف الدول بالمرشد الإيراني.
وسُخِّرت لهذا المشروع شبكة واسعة من الحوزات، وأصبحت «قم» مركزاً يستقطب آلاف الطلاب الشيعة من مختلف الدول، حيث يقترن التعليم الديني بخطاب أيديولوجي يرتكز على ولاية الفقيه وتصدير الثورة. كما دعّمت إيران عشرات القنوات والمنصات الإعلامية، ووظّفت المناسبات الدينية الكبرى مثل الأربعينية وعاشوراء لتعزيز الولاء العابر للحدود.
يؤكد تاريخ الحوزة العلمية في النّجف، منذ انتقال الطّوسي إليها سنة 1056م، أن ولاية الفقيه المُطلقة لم تكن جزءاً من تراثها الفقهي. وعندما وصل الخميني إلى النجف منفياً عام 1965، واجه تحفُّظاً من المراجع الشيعية آنذاك الذين تعاملوا معه بحذر، ورأوا في توجّهاته السياسية والثورية خروجاً على المسار التقليدي للحوزة.
وأثارت فكرته «ولاية الفقيه» اعتراضاً داخل الأوساط المرجعية، وفي مقدمتها محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، اللذان رفضا منح الفقيه سلطة مطلقة عامة في عصر الغيبة. وقد عبّر الخوئي عن هذا الموقف في كتابه «التنقيح في شرح العروة الوثقى».
انقلب المشهد رأساً على عقب بعد تمكّن الخميني، إذ أصبح مرشداً لإيران، حيث وظّف الملالي بإيران إمكانياتهم، لفرض نفوذ «ولاية الفقيه» وتمديدها داخل الفضاء الشيعي الإقليمي. وتغلغل هذا التأثير في عمق المعاهد والمدارس الدينية في النجف وغيرها.
وتُقدّم الوقائع التاريخية دليلاً حياً على عمق هذا التحول في حوزات النجف، إذ ظهرت وتوالت فتاوى دينية من مراجع في النجف ساهمت بشكل مباشر في تشكيل فصائل مسلّحة وميليشيات تولّى قاسم سليماني، عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإرهابي، الإشراف المباشر على تدريبها، وتوجيهها، وتأمين التمويل والدعم اللوجستي الكامل لها، حيث شنّت هذه المجاميع المسلحة حروباً طائفية مدمرة، وعملت على ذبح وقتل الآلاف من الأبرياء تحت لافتات ودوافع طائفية. كما ظهرت فتوى صريحة من مرجعية النجف توجب الدعم الكفائي لإيران في حربها الإقليمية الأخيرة، مما يبرهن على حجم الاختراق والنفوذ الذي بنته إيران في مفاصل هذه الحوزات الدينية، فبينما يرى بعض الباحثين والمختصين أن هناك صراعاً تنافسياً بين حوزتي قم والنجف، يتضح من مسار الأحداث غياب هذا الصراع ووجود حالة من التقارب والتكامل بينهما.
يتطابق هذا المشهد تماماً مع التطورات في الواقع الشيعي اللبناني منذ تأسيس حزب الله عام 1982، إذ تحوّل هذا الكيان إلى خنجر في خاصرة الدولة اللبنانية، يعبث بمؤسساتها حتى أضحى دويلة داخل الدولة، ساعياً لربط البلاد لتكون دولة تابعة لولاية الإمام الغائب الذي يمثّله مرشد ولاية الفقيه.
وفي السياق ذاته تُسخّر ميليشيا «الحوثي» كل إمكانياتها لفرض فكر «ولاية الفقيه» في اليمن، مستندة إلى دعم عسكري ولوجستي كامل من الحرس الثوري الإيراني.
إنّ ولاية الفقيه تُمثّل السلاح الأيديولوجي الأبرز لإيران لتحويل انتماء الشيعي العربي من وطنه وقيادته إلى التبعية المطلقة للمرشد والحرس الثوري، عبر إضفاء صبغة مقدّسة على قراراتهم وتوجيهاتهم. ومع أن الشيعة العرب مكون أساسي في نسيج مجتمعاتهم، فإن خطورة هذه العقيدة تكمن في تحويل بعض المعتنقين لها إلى أدوات تنفيذية تخدم المشروع الفارسي التوسعي في المنطقة، لتقسيم المجتمعات وتخريب الدول.
تبقى الدولة الوطنية الضمانة الأساسية لتثبيت الانتماء الوطني وحفظ الحقوق وصيانة الاستقرار. لا تملك إيران أي ولاية دينية أو سياسية على الشيعة العرب، فالشيعة العرب أبناء أوطانهم وترتبط مصالحهم ومستقبلهم باستقرار دولهم ومجتمعاتهم. وقد عبّر سماحة السيد علي الأمين عن هذه الحقيقة بقوله: «ولاية الفقيه ليست من العقائد، والارتباط السياسي بها من خارج الحدود يتنافى مع الولاء للوطن».
ينبغي أن تُوجَّه أموال الخُمس لخدمة المجتمعات والدول الوطنية التي يعيش فيها الشيعة العرب. أما خروج هذه الأموال إلى خارج الحدود وتسليمها إلى المرجعيات المرتبطة بالمشروع الإيراني، فإنها وصلت في نهاية المطاف إلى استيلاء الملالي، وتحوّلت إلى مصدر من مصادر تمويل الميليشيات والشبكات التابعة لهم.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


