جريدة الإتحاد - 6/2/2026 12:25:59 AM - GMT (+4 )
كلما زرت جزر الكناري أو مررت بالبرتغال أتذكر واحداً من الملهمين، كان صانع أقفال رأى العالم ببصيرته من عزلته، لا أدري لِمَ دائماً يطرأ عليّ ذلك الكاتب الجميل «جوزيه دي سوزا ساراماغو» البرتغالي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1998، الذي اختار مرقده السرمدي تحت شجرة زيتون عمرها يحاذي القرن على ضفاف نهر «تاجوس» في لشبونة، فقد كان العجوز يريد أن ينام تحت شجرته القديمة، تلك التي زرعتها الأم في قريتهم الصغيرة، وسقاها الأب تيمناً بعقد قرانهما أو بقدوم بكرهما، كعادة الفقراء المزارعين، أما ساراماغو الذي ولد عام 1922 ويكاد أن يكون عمره من عمرها أو تكبره هي قليلاً، فبالتأكيد لعب كثيراً تحت ظل تلك الشجرة، وربما شهدت أول أحلامه الصغيرة الطائرة، وأول نزق الكتابة، وحدها القرية لم تكن تعطيه ذلك الإحساس بأنه قد يسافر بعيداً، وقد يحصل على معارف كثيرة، وقد تطبق شهرته الآفاق، وسيتغرب، وسيختار مدينة أخرى، وبلداً آخر، وزوجة من بلد مجاور يسكن إليها وفيه، ويموت فيه، وأن يوم جنازته سارت البرتغال كلها خلفه، ترحيباً بقدومه من منفاه الطويل، وإنْ كان محمولاً على نعش فوق الأكتاف. بعد عام من ذلك القداس الجنائزي الشعبي، تجرى مراسم دفن رسمية أخرى كما كان يشتهيها ودوّنها في وصيته، وبطريقة روائية طالما شيّع بها أبطاله في الحكايات بمثلها.
لذا كانت أمانة لشبونة مهتمة بأدق التفاصيل في الوصية تكريماً لواحد من نجباء البرتغال، حيث تم إحضار شجرة زيتون من قرية «ازينهاغا» مسقط رأس ساراماجو في وسط البرتغال، وزرعت بالقرب من مؤسسة تحمل اسمه، وتم وضع حجرين تذكاريين تحت الشجرة، ومقعد من الرخام، ليتسنى لزواره الجلوس جنبه، والتمتع بفيء شجرته العتيقة، كانت مراسم تليق بكاتب استثنائي، طالما كان حراً، وبعيداً عن طائلة الإقصاء، بدأتها أرملته الإسبانية «بيلار ديل ريو» بدفن الرماد تحت الشجرة، بمصاحبة قرع على الطبول، وتلك الموسيقى التي تختص بها المقابر الباردة والمزهرة عادة في الغرب الكاثوليكي، بعدها تم وضع القرنفل الأحمر على المقبرة، وقرأ المؤلف والمغني «يورج فاز دي كارفالهو» مقتطفات من أعمال ساراماغو، كانت مراسم الدفن التي أجريت إعراباً عن التبجيل والتقدير بحق ذلك الروائي الذي توفي عن عمر يناهز الـ 87 عاماً في جزيرة «لانزاروتي» بجزر الكناري، حيث عاش هناك منذ عام 1993، وكان في مقدمة المشيعين ابنته «فيولانتي» التي لم تنحز لمهنة أبيها، لا الكتابة، ولا مهنته في بداية العمر كصانع أقفال، والتي بفضلها سينتمي ربما كأحد الصنّاع العمال إلى الحزب الشيوعي، لكنه تحول بصبر مهنته، وببصره وبصيرته نحو الكتابة، فأصدر أولى رواياته «أرض الخطيئة» وتوقف 20 عاماً عن النشر، لينجز ديوانه الشعري «قصائد محتملة»، ثم تتالت رواياته الأخرى «الإله الأكتع» و«سنة موت ريكاردوس» و«العمى» و«الإنجيل بحسب يسوع المسيح»، وغيرها بما فيها رواية أنجزها في الخمسينيات، ولم تنشر بعد، غير أن هناك محاولات لإصدارها.
لقد أستراح أخيراً ذلك الكهل الطفل تحت فيء شجرته العتيقة، محققاً آخر طلبات الكهل الصغير الذي رأى الحياة، ومفاتيحها ببصيرته قبل بصره!
إقرأ المزيد


