جريدة الإتحاد - 6/4/2026 11:12:10 PM - GMT (+4 )
الوساطة إحدى الوسائل الدبلوماسية الناعمة لإطفاء حرائق الحروب، وهي التي تختصر المسافات بين الخصوم قبل الأعداء، وتحاول تقليل الخسائر وردم الفجوات وطي صفحة الخلافات قدر الإمكان.
وقد أصبحت هذه الوسيلة جزءاً رصيناً من أدوات العلاقات الدولية، التي تتماشى مع جميع الظروف السياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، وعلى هذا الأساس تكلف الأمم المتحدة وسطاء دوليين يجوبون كل أرجاء العالم، للتوصل إلى خط الوسط بين الأطراف المتنازعة.
وفي حالة إيران، فإن المعضلة في نظامها، الذي اعتاد على حرق الوسطاء عند اقتراب التفاوض من نقطة الحل، بتشديد الشروط وتضييع المزيد من الوقت بالتسويف والمماطلة، وقد غدت إيران خبيرة في هذه الممارسة السلبية تجاه أخطر القضايا التي نشهدها اليوم، خاصة مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتعقيدات ومخاطر البرنامج النووي الإيراني، واستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول، بلا رادع.
ومن بين التداعيات الكارثية الناجمة عن التدخلات الإيرانية، اندلاع الحروب والمواجهات العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما زال الحبل على الجرار بسبب هشاشة الهدنة، والقلق من انفلات المنطقة إلى حرب أشمل.
وتتخبط إيران أيضاً باستهدافها منشآت مدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، مما يكرس أزمة كبيرة تجاه النظام الإيراني الذي بات يحرق سفنه، وينسف أي بادرة لعلاقات طبيعية بين طهران وجيرانها.
لم تَعُد دول المنطقة تتوقع خطوات مسؤولة من هذا النظام الذي ينتهك القانون الدولي وحقوق الجوار، ويربك الاستقرار في المنطقة والعالم، وتبديد جهود الوساطة ليس سوى وجه من وجوه نظام يستمد بقاءه من استمرار الأزمات. بدأ صبر ترامب على النظام الإيراني ينفد، إنه نظام لم تستطع عصا العقوبات المتشددة المساهمة في تعديل سلوكه، في ظل قناعة أميركية راسخة بأن هذا السوك لن يتغير إلا بتغيير النظام الإيراني.. والعالم من حول إيران بات يبحث عن مخرج لهذا المأزق الذي يربك التجارة العالمية، ويرفع الأسعار، ويعطل سلاسل التوريد.
ولكن في حرب الـ 66 يوم الأخيرة، قصفت إيران دول مجلس التعاون الخليجي، ووصلت اعتداءاتها إلى دول كانت تبذل جهود وساطة لحل هذه الأزمة وما قبلها من أزمات.
جهود الوساطة ومساعي البحث عن تسوية للأزمة الراهنة، ووضع حد لأجواء الحرب، ليست سهلة، وباكستان الآن تمر بهذه التجربة، على أمل تحقيق إنجاز يفرض الاستقرار بالمنطقة، لكن السلوك الإيراني، يعصف بهذه الجهود، ويجعل صبر العالم ينفد. ولم تكن الدول التي بذلت مساعي الوساطة وحدها في هذا القارب «المحايد»، فمنذ أن مزق دونالد ترامب في دورته الرئاسية الأولى الاتفاق النووي، هرولت دول العالم من شرقه إلى غربه إلى الأمام باتجاه منع ما وقع في الشهور الثلاثة الماضية من حرب ودمار.
فقد ضمت سلسلة الوساطات قائمة من الدول الكبرى وغيرها، منها روسيا والصين واليابان وألمانيا وباكستان وتركيا وقطر..
ومع استمرار الموقف الإيراني، تبدو النتيجة كارثية على المنطقة وعلى العالم الذي رفض الدخول إلى وحل الحرب ومتاهاتها؟!
نكتشف اليوم، كم كانت إيران معزولة عن العالم الأكبر، وكم هي قاصرة عندما ركنت نفسها في دائرة «الطائفية» التي ضيَّقت بها هذا المضيق لترضي استكبارها في ممر بحري استراتيجي ليس لها، بل للعام أجمع. وبات واضحاً أن النظام الإيراني يعاني «شوفينية سياسية» ونرجسية مدمرة.
لقد أصابت الحرب عملية صنع القرار الإيراني في مقتل، عبر واقع يخلق تعقيدات تُصعِّب الموافقة النهائية على أي خطوة لإنهاء الحرب، ليس فقط وقف إطلاق النار!
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


