هل بدأ قانون صلاحيات الحرب الأميركي يُؤتي ثماره؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قد يتظاهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يجد المأزق الذي تسبب فيه في الشرق الأوسط «مملاً للغاية». ومن الأرجح أنه بدأ يغير رأيه، مع تبلور ثلاث حقائق أمامه: الأولى أنه لا يمكنه إعلان الانتصار والانسحاب من حربه ضد إيران، إذ لم يقض على الخصم كما وعد في البداية.. والثانية كونه بدأ يخسر تأييد الأميركيين العاديين الذين يكرهون الحرب، لا سيما بسبب ارتفاع أسعار الوقود.. أما الثالثة والأخيرة فهي كونه بدأ يفقد دعم الكونغرس نفسه.
ولا شك في أن هذه الحقيقة الأخيرة تُشكل صدمةً لرئيس كان ينظر إلى السلطة التشريعية بوصفها أداةً لتمرير قراراته. لكن القرار المشترك الصادر الأسبوع الماضي في مجلس النواب، وفي طريقه الآن إلى مجلس الشيوخ، أشار إلى اتجاه مختلف. وبعد إقرار القرار بموافقة أربعة «جمهوريين» إلى جانب «الديمقراطيين»، ينص القرار على «توجيه الرئيس بسحب القوات المسلحة الأميركية من العمليات العدائية ضد إيران ما لم يحصل على تفويض صريح».
ولن يجبر القرار ترامب فعلياً على الانسحاب، فحتى لو تبنى مجلس الشيوخ نسخةَ مجلس النواب، فإن القرار المشترك لا يعدو كونه تعبيراً عن رأي الكونغرس، ولا يتمتع بقوة القانون. ولكي يكون ملزماً، يجب أن يتبع الإجراءات التشريعية المعتادة، والتي تتطلب توقيعَ الرئيس، أو توقيع أغلبية ثلثي الأصوات في كلا المجلسين لتجاوز حق النقض (الفيتو)، وذلك في حال رفضه التوقيع كما هو متوقع. 
يقول السيناتور جاك ريد إن الأهم سياسياً هو أن القرارات المناهضة للحرب «بدأت تمارس ضغطاً بالفعل» على ترامب. ومن خلال محاولات الكونغرس المتتالية لكبح رغبة ترامب في شن الحروب، التي بدأت الخريف الماضي عندما شرعت الإدارة في استهداف قوارب مدنية في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، «انضم تدريجياً المزيدُ من الجمهوريين، وهذا يبعث برسالة قوية إلى الرئيس مفادها أنه إذا استمر على هذا المنوال، فسوف نمرر هذا القانون».
ويُعد ريد، أكبر الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، واحداً من بين عدد متزايد من المشرّعين، أغلبهم من الديمقراطيين وبعضهم من الجمهوريين، الذين يشعرون بالأسف لأن الكونغرس لم يتمسك بقوة بصلاحياته الدستورية.
لكن الصلاحية الأهم التي يملكها الكونغرس، والمكرّسة في المادة الأولى من الدستور الأميركي، هي سلطة إعلان الحرب. وكان آخر استخدام رسمي لهذه السلطة عام 1942. ومنذ ذلك الحين خاضت الولايات المتحدة حروباً عديدةً لم تحمل اسم «حرب» رسمياً، بينما وسّع الرؤساء باستمرار تفسيرَ صلاحياتهم بوصفهم القادة الأعلى للقوات المسلحة.
وبحلول حرب فيتنام، كان الكونغرس قد ضاق ذرعاً بهذا الوضع، فاعتمد قانون صلاحيات الحرب، رغم اعتراض الرئيس ريتشارد نيكسون، حيث يُلزم هذا القانونُ الرئيسَ بإبلاغ الكونغرس عند بدء العمليات العسكرية، ثم يمنحه مهلةَ 60 يوماً للحصول على تفويض، وبدون هذا التفويض يتعين سحب القوات.
وقد شككت جميعُ الإدارات اللاحقة، من كلا الحزبين، في دستورية قانون صلاحيات الحرب. إلا أن جميع الرؤساء، عملياً، شعروا بتقييد سياسي بسببه. فعلى سبيل المثال، عندما شنّ جورج دبليو بوش حربَي العراق وأفغانستان، الحربين اللتين أدانهما ترامب كثيراً في حينه، سعى أولاً وحصل على «تفويضات استخدام القوة العسكرية» من الكونغرس.ومنذ بدء الحرب ضد إيران في 28 فبراير، تبنّت إدارة ترامب المواقف المتناقضة، فهي تؤكد أنها لا تحتاج إلى موافقة الكونغرس، لكنها تحرص في الوقت نفسه على عدم تجاوز قانون صلاحيات الحرب. وبعد إطلاق عملية «الغضب الملحمي»، أبلغت الإدارةُ الكونغرس بالعمليات العسكرية، ثم أعلنت أن الحرب انتهت مع وقف إطلاق النار مطلع أبريل، لتجنب مهلة الـ60 يوماً المنصوص عليها في القانون.
لكن الواقع يشير إلى أن الحرب لم تنتهِ فعلياً، فيما يواصل ترامب التعهد بـ«مذكرة تفاهم» محتملة مع التحذير في الوقت نفسه من احتمال اتساع المواجهة مجدداً.
ومن علامات قلق ترامب ما تردد حول احتمال إطلاق اسم جديد على أي عملية عسكرية مقبلة في الخليج، بحيث تُعامل باعتبارها حرباً جديدة تمنح الإدارة مهلةً قانونية جديدة مدتها ستون يوماً. وهذه فكرة تعكس حالة من الارتباك أكثر مما تعكس استراتيجية واضحة.
وفي المقابل، بدأ الكونغرس يستعيد تدريجياً دوره الرقابي على السلطة التنفيذية، وهو ما ظهر أيضاً في إقرار مجلس النواب حزمةَ مساعدات لأوكرانيا رغم معارضة ترامب.
وقد لاحظ البيت الأبيض أن الكونغرس غيّر مسارَه بمهارة، من كونه برلماناً شكلياً يُصدق على القرارات، إلى جهة رقابية على السلطة التنفيذية، كما تصورها مؤسسو الولايات المتحدة. وبالتأكيد يدرك ترامب الآن أنه لم يعُد بإمكانه مواصلة أفكاره الجامحة، كالانسحاب من حلف الناتو أو الاستيلاء على غرينلاند، دون معارضة.
أعلن غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، والمسؤول عن الإجراءات المتعلقة بإيران وأوكرانيا، عن «نقطة تحول هامة»، مفادها أنه «إذا لم يُغير ترامب خطه، فسيتحرك الكونغرس». ويعتبر ذلك تفاؤلاً شديداً، لكن شيئاً مهماً حدث بالفعل. فإحدى أكثر الهيئات التشريعية شهرة ونفوذاً في العالم، والتي ظلّت لأكثر من عام في حالة من التردد والجمود، بدأت تغير اتجاهها، لتجسّد مجدداً النموذجَ الذي أراده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في فيلادلفيا.

*كاتب متخصص في الدبلوماسية الأميركية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد