جريدة الإتحاد - 6/14/2026 12:26:58 AM - GMT (+4 )
تصدرت ثلاثة تحذيرات صحية عناوين الأخبار مؤخراً بشأن تفشي فيروس هانتا على متن سفينة سياحية، وفيروس إيبولا في بعض مناطق غرب أفريقيا، واحتمالية التعرض لحمى القرم - الكونغو النزيفية في مختبر عالي العزل في مونتانا. وقد يودي كل مرض من تلك الأمراض بحياة أكثر من خُمس المصابين. وربما يكون العالم قد تجاوز جائحة كوفيد-19، لكن مسببات الأمراض الفتاكة لم تتجاوز أكثر الكائنات الحية جاذبية على وجه الأرض من حيث سهولة التنقل والكثافة السكانية والتركيب البيولوجي، أي البشر.
وقد تنشأ الجائحة القادمة من الطبيعة، وقد تنشأ أيضاً من أبحاث فشلت الولايات المتحدة أو دولة أخرى في التعامل معها، مثل تسرب فيروس تمت دراسته في المختبر، وأحياناً تم تعديله داخل المختبر نفسه. ويتطلب المسار الأول الاستعداد، بينما يتطلب الثاني إدارة فعالة.
ويمكن للتقدم العلمي أن يُنتج لقاحات ووسائل تشخيص وأدوية منقذة للحياة. لكن الأدوات نفسها قد تجعل مسببات الأمراض أكثر قابلية للانتقال، وأكثر فتكاً، وأكثر قدرة على مخادعة الجهاز المناعي، أو أكثر صعوبة في الكشف عنها.
ولعقود، كانت الحجة المؤيدة لأبحاث «اكتساب الفيروسات الوظيفة» بسيطة، وهي العثور على مسبب المرض التالي قبل أن يعثر علينا، ثم تطوير العلاجات واللقاحات والمخزونات اللازمة لوقفه قبل الإصابة. وغيّر كوفيد-19 هذه المعادلة، حيث اتضح أن الأبحاث التي تهدف إلى منع الأوبئة قد تخلق مسارات جديدة لها. كما ظهر أن تطوير اللقاحات قد يبدأ في غضون أيام من تحديد تسلسل الفيروس، مما يجعل الدراسات المسبقة أقل جدوى، لذا يحتاج النهج القديم إلى إعادة تقييم حديثة.
وتؤكد شكوى حديثة لوزارة العدل الأميركية، تزعم تهريب علماء فيروسات لمواد بيولوجية تشمل فيروس جدري القرود من أفريقيا إلى الولايات المتحدة، حقيقةَ أن الخطر لا يقتصر على ما يحدث داخل المختبر، بل يشمل كيفية انتقال مسببات الأمراض والعينات عبر العالم.ويجب توضيح أن العلماء الذين يجرون هذه الأبحاث مجتهدون، ولديهم غالباً دوافع لخدمة المجتمع. لكن نظام الحوكمة، الذي بُني لعصر سابق من علم الأحياء، عليه الآن مواجهة تقنيات قوية قادرة على خلق مخاطر جديدة، حتى مع سعي الباحثين إلى استباق مخاطر الطبيعة. وهناك خمسة إجراءات من شأنها إعادة التوازن إلى تحليل التكلفة والعائد.
أولاً، مراجعة الأبحاث عالية المخاطر من خلال «مجلس أمن أبحاث علوم الحياة» الفيدرالي، المستقل عن الوكالات التي تمول أو تنفذ العمل. ويجب أن يضم المجلس علماء فيروسات، وخبراء في السلامة البيولوجية، ومختصين في الأمن القومي، وعلماء أخلاقيات، وممثلين عن الجمهور.
ثانياً، وضع علامات مائية جينية على مسببات الأمراض المصنعة أو المُعدلة وراثياً. فقد يُحدد تغيير جيني بسيط سلالةً مختبريةً دون المساس ببيولوجيا الكائن الحي. وإذا حدث تفشٍ بالقرب من مختبر، يُمكن للعلامة المائية تحديد ذلك المختبر أو تبرئته، ما يحمي الجمهورَ والعلماء المسؤولين على حد سواء.
ثالثاً، توسيع نطاق الاحتواء ليتجاوز المختبر، إذ ينبغي أن يخضع العلماء الذين يتعاملون مع مسببات الأمراض الفيروسية لمراقبة طبية، وأن يخضعوا لحجر صحي قصير بعد انتهاء عملهم قبل العودة إلى المجتمع. ويُمكن لهذه المتطلبات أن تمنع انتقال العدوى من المختبر قبل أن تتحول إلى تفشٍ وبائي.
رابعاً، إضافة آليات تنفيذ إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الأسلحة البيولوجية. فقد تغيَّر علم الأحياء منذ عام 1975 عندما سُنت الاتفاقية. وساهم تركيب الجينات والمعدات المختبرية منخفضة التكلفة في خفض الحواجز التي كانت تحصر الأبحاث الخطيرة في السابق على الدول الكبرى. ويُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُقلل تلك الحواجز، مما يُمكن الجهات الخبيثة من تصميم مسببات أمراض أكثر خطورة، وتصميم تغييرات جينية تفلت من الكشف أو المناعة. وعلى الأمم المتحدة أن تفرض عمليات تفتيش للمختبرات ذات مستوى الاحتواء العالي، ووضع معايير للإبلاغ عن العدوى المكتسبة في المختبرات، وفرض ضوابط على المواد والآلات المستخدمة في تصنيع مسببات الأمراض القاتلة.
خامساً، يجب بناء أنظمة مراقبة مُوجهة، حيث يتركز الخطر مثل المطارات، والموانئ البحرية، وشبكات الصرف الصحي في المدن، وأسواق الحيوانات الحية، والمجتمعات القريبة من المختبرات ذات مستوى الاحتواء العالي. ويجب ألا تنفق الولايات المتحدة المليارات على فحص عابري الحدود بينما تسمح بمرور مسببات الأمراض الخطيرة دون تأشيرة.
وتعتبر تلك الضوابط وسيلة العلماء لاستعادة الثقة. فقد نجت الطاقة النووية من خطر الأسلحة النووية، ونجا قطاع الطيران من حوادث التحطم، وأصبح كلا المجالين أكثر أماناً بفضل التحقيق والشفافية والمساءلة. ويتطلب علم مسببات الأمراض القدر نفسه من النضج.
وتُظهر أزمة الإيبولا المتفاقمة مجدداً أن الثقة في العاملين في المجال الطبي ليست خياراً. فعندما تعتقد المجتمعات أن المسؤولين الصحيين يُخفون المعلومات، تنتشر نظريات المؤامرة. وعندما يواجه العاملون في مجال الرعاية الصحية قواعد غير واضحة بشأن التعرض للعدوى والإخلاء والحجر الصحي، ينتشر الخوف.
لقد منحت البيولوجيا الحديثةُ البشرَ قدرات استثنائية، وهذه القدرات يجب أن تخضع لقواعد جديدة. ولا ينبغي أن يمنع الأمان الاكتشاف، بل السؤال هو: هل ستضع الولايات المتحدة ضوابط وقائية بينما لا تزال المخاطر مجرد احتمالات، أم تنتظر تَحوُّلَها إلى جائحة عالمية؟
*الباحث البارز في معهد هدسون
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


