جريدة الإتحاد - 8/5/2026 12:16:42 AM - GMT (+4 )
قبل ثلاثين عاماً، قبل أن تتفتح أزاهير الأبناء العشرة، كانت المنطقة ما بعد جسر المقطع شبه فراغ وجودي، يؤدّي إلى فضاء دامس إلى حدٍّ ما، وكان لسان البحر، يغزو المكان، وكان الزمن مثل الرَّحى يطحن أعمار الذين عشقوا السير قُدماً عبر طرائق، وطرق، لم تكن مروَّضة بالصورة التي تليق بمرحلة تبدو البداية لاعتناق جوهر التطور.
لم أكن أتخيّل أبداً ما حدث من طفرة جينية في مختلف المرافق، والبنى التحتية، في هذه المنطقة، اليوم وأنا أستدعي التاريخ أُصاب بالذّهول، وأشعر وكأن المدينة غزالة قفزت من مسافة تُقدَّر بالأمتار، وهذا شأنٌ إماراتيٌّ بحتٌ، حيث الطموحات، أشبه بالطيور المجنّحة، بأشرعة خرافية لا يمكن أن يصدّقها الإنسان إلا عندما يعيش المشهد، ويعاصر الحياة، وكيف نمت خصلات شعرها، وكيف شبّت، وكيف لاقت من العناية ما جعلها تتمتع بجمال الطّلعة، وحُسن الصورة، ورونق اللجين. اليوم وأنا أسير الهوينا في شوارع مدينة خليفة، أشعر وكأني أسبح على سجادة من حرير، مترفة إلى حدِّ الفيض.
وأنظر إلى طيور الحمام، وكأنها طائرات ورقية، تحلّق حول المباني الأشبه بالمرايا، تطلُّ على العالم بصفحات في بريقها دهشة الزمن، وفي تألّقها، سعادة الإنسان وهو يختال حبوراً، تتلقى عيناه، مناظر تخلب النظر، وتسلب اللب، وتجعل الحياة في هذه المدينة، سنابل عشب، محمّلة بأزاهير، ترتقي سلسال السماء، بروح صافية، والناس.. الناس يسيرون في الشوارع الممتدة مثل موائد ببسط من مخمل، ترتاح على الأرض، بعفوية الأشياء السحرية، وأمضي، أمضي تتبعني الفرحة، منفتحة على الوجود، مثل أغنية بحرية، مثل نشيد الطير في البراري، مثل شهقة الحرائر وهن يتبعن صورة الظل على تراب رملي غسلته الغيمة منذ الفجر، بقطرات السحنة السماوية الفضية، ثم أمضي، والساميات، الباسقات، يطللن على عيني مثل نجوم تزحلقت من مكانها في السماء، ونزلت على الأرض، تبحث عن بريق في ضمير هذه الشاهقات السحرية، ومضيت، هناك عند زاوية، وناصية، أرى الوجوه، اللسان إماراتي بامتياز، ملأته الثقافات، أشياء من فسيفسائها، وأشياء من ألوانها البراقة، تملأ العين شعاعاً، لا تشبهه المصابيح في روعته، وأمضي، أرى ابتسامات، ممتزجة بلغات، تجعلني أشعر بأنني في مدينة، قطفت من بساتين العالم، ومن كل بستان زهرة، ومن كل زهرة، عبقت المكان بأجمل العطور. هكذا تبدو الحياة، مثل باقة ورد، عندما تكون المدينة، مثل الحلم، مثل رؤية خطفت العينين، بنور الدفقة المباغتة.
إقرأ المزيد


