جريدة الإتحاد - 8/5/2026 12:38:29 AM - GMT (+4 )
انحسر تدفق المهاجرين إلى سبتة، وهي منطقة إسبانية ذات حكم ذاتي تبلغ مساحتها سبعة أميال مربعة وتقع عند الطرف الشمالي لأفريقيا، بالسرعة نفسها التي تصاعد بها. لكن صور الشبان المغاربة وهم يسيرون بمحاذاة الساحل، ويتخلون عن الأنابيب الهوائية التي استخدموها في العبور، دفعت أوروبا إلى نقاش حول كيفية إدارة الهجرة بصورة إنسانية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السيطرة على الحدود.وكان قرابة 50 ألف شخص تدفقوا إلى المنطقة يومي الخميس والجمعة الماضيين. ما أدى إلى زيادة عدد سكان سبتة إلى ما يقارب الضعف، لكن سرعان ما عادوا إلى المغرب، وبحلول عطلة نهاية الأسبوع، كانت إسبانيا قد أقامت حاجزاً عائماً بطول 500 متر على الجزء من ساحل البحر المتوسط الذي تتقاسمه الدولتان.
لكن رد الفعل السياسي لا يزال مضطرباً. فقد ردت إيطاليا بتعليق عضوية إسبانيا مؤقتاً في اتفاقية «شنغن» الأوروبية، التي تسمح بالسفر من دون رقابة حدودية بين الدول الأعضاء، بدعم من فنلندا والدنمارك.
كما أصدرت 22 دولة عضواً رسالة مشتركة دعت فيها إلى تعزيز التنسيق وتشديد الرقابة على حدود أوروبا. وقالت إسبانيا، إن ردود فعل بعض الدول تجاه الحادث كانت «أنانية ومثيرة للاستقطاب وغير قانونية».
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية يوم أمس الثلاثاء لمناقشة الخطوات المقبلة.
وتُعد سبتة واحدة من اثنين من الحدود البرية الأوروبية في أفريقيا، وكانت منذ فترة طويلة نقطة عبور مهمة للهجرة الأفريقية. وبينما يواصل المحققون مناقشة الأسباب التي أدت إلى هذا التدفق، أصبحت المنطقة نموذجاً مصغراً للنقاش الأوسع الدائر في أنحاء الاتحاد الأوروبي: كيف يمكن للحكومات أن تظل ملتزمة بالمبادئ الإنسانية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سيادتها، خصوصاً في ظل ما تسببه الهجرة من انقسامات في السياسة الأوروبية.
ويقول ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»: «المشهد السياسي في أوروبا شديد الاستقطاب. وإذا حاولت دولة ما اتباع نهج ثالث في التعامل مع الهجرة، فستتعرض لانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء، وفي جميع أنحاء أوروبا».
ولا يزال السبب الدقيق وراء التدفق، الذي لقي خلاله ما لا يقل عن 67 مهاجراً حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة، غير واضح.
لكن أحد التفسيرات المحتملة قد يرتبط بقرار حديث أصدرته المحكمة العليا الإسبانية. ففي 8 يوليو، قضت المحكمة بأن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا بحراً أو براً، من دون عبور حاجز مادي، لا يمكن إعادتهم فوراً إلى بلدانهم.
وقد فسر بعض الأشخاص هذا القرار باعتباره ضوءاً أخضر للمهاجرين لمحاولة الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارة إلى سبتة يوم الجمعة، إن عصابات إجرامية متخصصة في تهريب البشر استغلت قرار المحكمة العليا لتشجيع المغاربة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على محاولة العبور إلى المنطقة.
وحسب ماريا بيلين زانزوتشي، وهي محللة سياسات في «معهد سياسات الهجرة في أوروبا»: «استخدام الهجرة كأداة للضغط أو التأثير ليس أمراً جديداً». لكن الحكومة الإسبانية اتخذت خلال الأشهر الماضية خطوات لتبني نهج أكثر ترحيباً بالمهاجرين. فقد أعلنت أنها ستمنح تصاريح إقامة لنحو 500 ألف شخص غير موثق موجودين بالفعل داخل البلاد، في أحد أكبر قرارات الهجرة في تاريخ إسبانيا، الأمر الذي أثار انتقادات من سياسيين محافظين. وأعاد التدفق إلى سبتة إشعال هذه الانتقادات.
وكتب قادة الاتحاد الأوروبي في رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيس الوزراء الأيرلندي ميشيل مارتن: «لا يمكننا السماح بعمليات عبور جماعية غير خاضعة للسيطرة، أو بتهديدات هجينة أخرى، بأن تخلق انطباعاً بأن الدخول غير القانوني إلى الاتحاد الأوروبي أمر ممكن».
وتتولى أيرلندا حالياً رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي. وسيناقش وزراء الاتحاد الأوروبي إجراءات من بينها إعادة فرض عمليات التفتيش على الحدود الداخلية في أنحاء أوروبا، وتعزيز دور وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية «فرونتكس».
وتواجه الدول الأوروبية صعوبة في التوصل إلى موقف مشترك بشأن الهجرة منذ عام 2015، عندما وصل أكثر من مليون شخص إلى القارة، معظمهم من اللاجئين وطالبي اللجوء القادمين من الشرق الأوسط، عقب قرار المستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل استقبالهم.
وأدى ذلك إلى رد فعل سياسي واسع ضد ميركل، يشبه الانتقادات التي يواجهها رئيس الوزراء الإسباني حالياً.
ويرى مراقبون أن جانباً كبيراً من الجهود الرامية إلى إيجاد حل ركز على توفير مسارات قانونية للمهاجرين أو تحسين التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
لكن آخرين يعتقدون أن هناك حاجة إلى بذل مزيد من الجهود من خلال إشراك الدول المجاورة لأوروبا، وكذلك المهاجرين أنفسهم.
وتقول كيلي بيتيليو، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «ينبغي أن نجد وسائل لاعتماد نهج يضع الإنسان في صميم إدارة الحدود، ويحترم الاحتياجات الإنسانية للأشخاص الذين يعبرونها». وتضيف: «كما نحتاج إلى الاستماع إلى احتياجات شركائنا».
وترى بيتيليو أن الدول الأوروبية تفتقر إلى الآليات اللازمة لمواجهة موجات الهجرة المفاجئة بصورة جماعية. وقد اختبر الاتحاد الأوروبي مؤخراً ما يُعرف بـ«مراكز الإعادة» في دول ثالثة من خارج الاتحاد، حيث يمكن إرسال طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم. لكن هذه التجارب حققت نجاحاً محدوداً. كما أثيرت مخاوف من أن تكون هذه المراكز غير آمنة، وأن تمنح الدول الواقعة خارج أوروبا نفوذاً كبيراً على الاتحاد الأوروبي.
وفي نهاية المطاف، يرى بعض الخبراء أنه ما لم تعالج أوروبا قضايا مثل البطالة والضغوط التي تتعرض لها الخدمات العامة، فستظل الهجرة تُستخدم ككبش فداء للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها القارة.
ويؤكد هؤلاء أن التوصل إلى سياسة موحدة ومتماسكة للهجرة على مستوى الاتحاد الأوروبي سيظل أمراً صعب المنال.وتقول زانزوتشي: «في نهاية المطاف، نجحت إسبانيا في السيطرة على الوضع في سبتة، لكن الأزمة كشفت عن ثغرات كبيرة في سياسة الهجرة الأوروبية، وأظهرت أن هناك الكثير من العمل الذي لا يزال يتعين القيام به».
*كاتبة متخصصة في الشؤون الأوروبية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


