جريدة الإتحاد - 8/5/2026 12:38:36 AM - GMT (+4 )
بعدما ارتبكت حركة الملاحة بالفعل في ثلاثة ممرّات مائية رئيسية في العالم - مضيق هرمز، وموانئ البحر الأسود، ومضيق باب المندب في البحر الأحمر - يبدو أن ممرّاً رابعاً يستعد للانضمام إليها: نهر الراين العظيم.ويمتدُّ نهر الراين عبر شمال غرب أوروبا، وقد لا يتمتع بالمكانة الجيوسياسية التي تحظى بها بعض الممرات المائية الأخرى التي تتصدّر العناوين في الآونة الأخيرة. لكنه لا يقلُّ أهمية عنها، إذ يعمل كحزام ناقل يربط مصانع الكيماويات ومصافي النفط ومسابك الصلب ومحطات توليد الكهرباء بالفحم، وغيرها من المنشآت الصناعية في سويسرا وألمانيا وفرنسا بالموانئ الهولندية.
وتصف شركة «باسف» الألمانية العملاقة للكيماويات أهمية النهر بعبارات مبالغ فيها بعض الشيء، قائلة: «من دون نهر الراين، سينهار الإنتاج الصناعي في أوروبا الغربية».
ويُعد النهر أحد أكثر الممرات المائية استخداماً في العالم. ففي أي يوم، تتحرك نحو 6900 سفينة وباخرة شحن البضائع صعوداً وهبوطاً على امتداد مجراه الذي يبلغ طوله قرابة 800 ميل.
لكن المشكلة التي يواجهها ليست حرباً أو اضطرابات جيوسياسية، بل نقص الأمطار. فقد أدّى جفاف شديد، يرجّح أن تغيُّر المناخ فاقم آثاره، إلى انخفاض منسوب المياه إلى مستويات خطيرة، ما أدى إلى شبه توقُّف حركة نقل البضائع عبر الصنادل.
وعانى نهر الراين بصورة متكررة من انخفاض مستويات المياه، بما في ذلك خلال أعوام 1947 و1959 و1964 و1976، إضافة إلى موجة الجفاف التاريخية عام 2018، التي أجبرت عدداً من المنشآت الصناعية الواقعة على ضفافه على إغلاق عملياتها، وأدّت إلى خفض معدّل النمو الاقتصادي الألماني بعدة أجزاء من النقطة المئوية.
وما لم تهطل الأمطار قريباً، فإن أزمة عام 2026 تتجه لأن تكون على الأقل بمستوى أزمة عام 2018، ويخشى كثيرون أن تكون أسوأ، لا سيما أن أكثر شهري العام جفافاً بالنسبة إلى نهر الراين، وهما أغسطس وسبتمبر، لم يَحُلا بعد.
وإذا انخفض منسوب المياه إلى مستوى يؤدي إلى توقف حركة الملاحة، فستنتشر الآثار سريعاً إلى المناطق الداخلية.
وقد تضطر سويسرا إلى اللجوء إلى احتياطياتها النفطية الاستراتيجية خلال أسابيع، إذ ستواجه صعوبة في الحصول على كميات كافية من المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل، من مركز النفط في منطقة أنتويرب–روتردام–أمستردام، التي تصل إليها عادة عبر الصنادل.
وقد تضطر مصانع البتروكيماويات ومسابك الصلب في ألمانيا إلى خفض إنتاجها بسبب نقص المواد الخام المستوردة من موانئ بحر الشمال. كما قد تحدث حالات نقص محلية في الوقود داخل ألمانيا.
وبسبب ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب الإيرانية، اشترت شركات كثيرة أقل قدر ممكن من الوقود خلال الأشهر الماضية، وأصبحت تعمل بمخزونات محدودة جداً وتدير احتياجاتها يوماً بيوم. ولذلك، تأتي أزمة نهر الراين في أسوأ وقت ممكن.
وبات تجّار السلع الذين يركّزون على الأسواق الداخلية في أوروبا يراقبون توقّعات هطول الأمطار، تماماً كما يراقب زملاؤهم في الشرق الأوسط الطائرات المسيّرة والصواريخ. وتُعد بلدة كاوب، الواقعة جنوب مدينة كولونيا، أهم نقطة اختناق ينبغي مراقبتها على نهر الراين. وهي بلدة خلّابة تحيط بالنهر فيها قلاع من العصور الوسطى.
ويبلغ منسوب المياه هناك عادة نحو 200 سنتيمتر في هذا الوقت من العام، فيما يقع الحدّ الحرج عند 78 سنتيمتراً. وعندما ينخفض المنسوب عن هذا الحدِّ، تضطر معظم الصنادل إلى تقليل حمولتها لتجنُّب الجنوح أو الارتطام بقاع النهر.
لكن مقياس المياه انخفض يوم الثلاثاء قبل الماضي إلى 27 سنتيمتراً فقط، وهو أدنى مستوى يُسجل في التاريخ الحديث في وقت مبكر كهذا من فصل الصيف. ومع عدم وجود أمطار متوقّعة في الأفق، يتوقّع تجّار السلع أن ينخفض مقياس المياه في كاوب خلال هذا الأسبوع إلى ما دون المستوى المتدني البالغ 25 سنتيمتراً، الذي سُجل في أكتوبر 2018، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 36 عاماً على الأقل.
وكما هو الحال في مضيق هرمز أو باب المندب، توجد طرق بديلة، لكن استخدامها ليس سهلاً ولا منخفض التكلفة.
ويتمثل خط الدفاع الأول في نموذج جديد من الصنادل صُمم للعمل في ظروف انخفاض المياه الشديد، استجابة لأزمة عام 2018. وفي الوقت الحالي، لا تزال هذه السفن قادرة على الإبحار فوق قاع النهر الصخري عند نقطة الاختناق في كاوب.
لكن هذه القدرة تأتي على حساب كبير في الطاقة الاستيعابية، إذ جرى تخفيض الحمولة للحفاظ على ارتفاع السفن فوق سطح المياه قدر الإمكان. وخلال الأسبوع الماضي، انخفض متوسط الحمولة إلى 800 طن فقط، مقارنة بالمعدل المعتاد البالغ 5100 طن.
وإذا استمر منسوب المياه في الانخفاض كما هو متوقع، فقد لا تتمكن هذه الصنادل بحلول نهاية الأسبوع من نقل كميات كافية تبرر استمرار تشغيلها.
ونظراً إلى الحاجة لعدد أكبر من الصنادل لنقل الكمية نفسها من البضائع، بدأت تكاليف الشحن في الارتفاع بصورة حادة.
فعلى أساس تكلفة الطن المتري، تبلغ تكلفة نقل البضائع حالياً من روتردام إلى الوجهات الواقعة جنوب كاوب نحو 150 يورو للطن، أي ما يعادل 171 دولاراً، وهو مستوى قياسي. وفي الظروف العادية، تبلغ تكلفة الشحن نحو 20 يورو للطن.
أما الخيار الثاني، فهو نقل البضائع عبر السكك الحديدية. لكن هذا الخيار يخلق مشكلة أخرى، إذ تُجري ألمانيا خلال الصيف أعمال تحديث لخط للسكك الحديدية يمتد بمحاذاة نهر الراين. ويشمل الجزء المتأثر من الخط، الممتد من ترويسدورف إلى فيسبادن، منطقة الاختناق في كاوب. ومن غير المقرر إعادة فتح الخط قبل ديسمبر. ورغم وجود خطوط سكك حديدية أخرى، فإن استخدامها يتطلب تغيير مسارات النقل بصورة كبيرة، ما يزيد التكاليف والوقت ويقلل الطاقة الاستيعابية.
وتبقى الشاحنات الخيار الأخير، إذ يتطلب استبدال حمولة صندل واحد استخدام ما لا يقل عن 100 شاحنة. ولذلك، لا تُستخدم الشاحنات إلا في الحالات الحرجة. وقد بدأت الشركات الصناعية بالفعل في إعداد خطط لمواجهة الأزمة.
وتقع على ضفاف نهر الراين منشآت صناعية كبرى، من بينها أكبر مصنع للكيماويات في العالم، الذي تديره شركة «باسف» في مدينة لودفيغسهافن، جنوب كاوب. كما تستضيف ضفاف النهر مصانع كبيرة تديرها شركات مثل «دايملر»، و«روبرت بوش»، و«باير»، و«تيسنكروب»، إلى جانب شركات أخرى. ويرى مسؤولون ألمان أن موجات الجفاف التاريخية في نهر الراين، مثل تلك التي حدثت عام 2018 وتتكرر هذا العام، أصبحت تُمثل نمطاً متكرراً. فبدلاً من حدوثها مرة كل 60 عاماً، قد تتكرر كل 10 أو 20 عاماً.وقد ذكّرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران العالم بأن الممرات المائية مُعرضة لمخاطر الحروب. وينبغي أن تذكّرنا أزمة نهر الراين بأن ارتفاع حرارة العالم يمكن أن يُلحق ضرراً مماثلاً بالملاحة النهرية.
*كاتب متخصّص في قضايا الطاقة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


