مقتلنا ما سيقال عنا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في المجتمعات الواعية والمتقدمة لا تشعر بكلمة العيب تعرقل حياتك أو تدمرها أو تجعلك مقيداً، لا تتحرك وتجدها أمام خطواتك، مثلما هو الحال في المجتمعات الشرقية والخجولة، وتلك التي تؤمن بثقافة العيب، وما يقوله الناس عني، لذلك تصبح أوزاننا أثقل مما يحمله الأميركي، وأوزارنا أثقل مما يحمله الأوروبي، لأنه لا الفرد ولا المجتمع في تلك البلدان المتقدمة يعترف بتلك المفردة في صورتها السلبية، كما هو الحاصل معنا في ممارساتنا الخاطئة، وعدم وضوح المصطلح واستخداماته وتداعياته الاجتماعية المغلوطة.
ولنأخذ مثلاً قريباً مما يحدث في حياتنا وحياتهم، ولنعتبر فيروس «كورونا» هو المثال في تلك الجائحة التي مر بها العالم، نحن نظل نتوجس ونحوط أنفسنا بالمعوذات وبخور اللبان كي لا يصيبنا، لأننا لا نعرف أين سنولي بوجوهنا أمام الأهل والجيران! وماذا سيقول الآخرون عنا، ونخشى أن يفرقوا منا، ولا يلتفتوا إلينا، ويعاملونا كوباء، الزملاء في العمل.. كيف سيكون تصرفهم معنا؟ ونظل نفكر بأنه يمكن أن يفصلونا من العمل لكي لا نؤذي الزملاء والمراجعين، ونسمم مكان العمل، حتى لو برئ الواحد وتعافى من المرض فستظل تلاحقه عبارات زملائه: «هذا تراه صابه ذاك المأهوب، فيروس كورونا، والعياذ بالله، ترى فلان إيجابي»! وقد يتدخل المجتمع ولا يقبل به عريساً مستقبلياً لأي بنت من بناته، لذا لا يكفينا ما نحتاط به من وقاية واتباع الإرشادات الصحية، ولكن نثقل كواهلنا بالوسواس وأعباء ثقافة العيب السلبية، حتى نشعر أن مجتمعنا سيعتبر ذاك المرض وسماً ووشماً لا يمكن محوه، فإذا ما أصاب أحدنا هذا الفيروس فسنحاول قدر الإمكان أن لا نخبر حتى المقربين منا، ونتكتم معتقدين أن الآخرين سيشمتون بنا، وربما ألقينا باللائمة على أحد ما، مثل «هذاك اللي صلى عدالي، الله ياخذه، كان يعاطس»، وقد نسافر بعيداً لنتعالج، لأن «معرفة العُربان مغثّة»، وسيخبرون القاصي والداني، وقد لا نقبل بعلاج طبيب عربي، ليس لعدم الثقة في تخصصه، ولكن عدم الثقة مرجعه أنه قد يعرّف أحداً من المعارف، وأنه يتكلم عربي، والعربية تسرب الأخبار الشينة!
في حين الأميركي والأوروبي سيتصرف الواحد منهما بوعي مع الإصابة، وسيتعامل مع الموضوع على أساس أنه من باب الحظ العاثر، فقط لا غير، ولن يلوم أحداً بعينه، أو ربما يكرهه، لكنه لن يستسلم، وكأن الموضوع نهاية الدنيا، وسيخبر المقربين له، لأنه متيقن أن معظمهم سيقفون معه، ويؤازرونه حتى يتخطى محنته، حتى الوزير عندهم إذا ما أصابه هذا الفيروس لا يتحرجون من أن يعلنوه في الصحافة، لا عيب ولا حياء، ولا خجل من موضوع ليس للإنسان فيه أي دخل.
لكن شوف كيف الأمور تسير وتصير في المجتمعات الموسوسة: «عُلم من مصدر موثوق.. نبا إلى علم الوكالة الوطنية عن صحة خبر الإصابة.. تداولت وسائط التواصل الاجتماعي خبراً لم تثبت صحته بعد.. سرت شائعات غير مؤكدة عن..» وكلها لا تعطيك خبراً صحيحاً أو جملة مفيدة، في المجتمعات الراقية تسمى الأمور والأشياء بمسمياتها، ولا يخفون ولا يتخفون وراء الأشياء، وحدنا من نهرب إلى الأمام خوفاً من ثقافة العيب، لا من المشكلة الأساسية والحقيقية!



إقرأ المزيد