جريدة الإتحاد - 11/4/2026 7:59:48 PM - GMT (+4 )

حين وصلت بقعة النفط إلى شواطئ الإمارات في أكتوبر، أغلقت بعض الشواطئ، وتوقّف الصيادون، وانتشرت رائحة النفط في ثلاث إمارات، شغلني كثيراً أثر ذلك على الأسماك والكائنات البحرية وأشجار القرم، لكن أكثر ما شغلني كان تلك المسافة بين البقعة النفطية ومآخذ مياه محطات التحلية. ثم انتبهت إلى أن السؤال الذي شغلني أولاً ربما كان في حدِّ ذاته، دليلاً على الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى البحر.
وجدتُني أتوقف عند تفصيلة محطات التحلية، لأنها تكشف كيف تغيَّر موقع البحر في وعينا. فالحادثة لم تَعُد تُفهم بوصفها اعتداء على كائنات حية تعيش داخل هذا الفضاء الواسع من مياه الخليج العربي، إنما صارت أيضاً تُفهم بوصفها تهديداً محتملاً لمنشآت حيوية نعتمد عليها في حياتنا اليومية. عند تلك الزاوية أدركت أن هناك تحولاً في علاقتنا مع البحر، تشكّل عبر ثلاث مراحل، لم تلغِ إحداها الأخرى، وإنما غيرت في كل مرة موقع البحر في حياتنا ووعينا.
قبل النفط، كان البحر مصدر الحياة الاقتصادية الأول. فقد شكّلَ الغوص على اللؤلؤ والصيد والتجارة البحرية الاقتصاد والبنية الاجتماعية معاً، إذ حددت مواسم الغوص إيقاع السَنة، ونظّمت العلاقة بين النوخذة والغواصين وباقي أفراد أطقم سفن الغوص جانباً كبيراً من المجتمع، وكانت المعرفة بالرياح والمغاصات والتيارات معرفة متوارثة.
في تلك المرحلة كان البحر طرفاً أصيلاً في حياة الناس. يعرفونه عن قرب. وكان الضرر الذي يصيبه يظهر في رزق البيوت. كانت معرفة الأجداد معرفة صنعتها التجربة اليومية واختزنتها ذاكرة المجتمع وانتقلت من جيل إلى آخر. ثم جاء التحول الاقتصادي الذي أعقب النفط، فتراجع الاعتماد المعيشي المباشر على البحر، وانتقل الساحل تدريجياً من وظيفته الاقتصادية والحياتية إلى وظيفة أخرى وهي الواجهة. تحوّل البحر إلى منظر تطلُّ عليه البنايات والفنادق وصارت الشواطئ مساحة للترفيه والسياحة، وعنصراً أساسيا في صورة المدينة الإماراتية الحديثة. هذا التحول غيّر طبيعة العلاقة بيننا وبين البحر، فصرنا نراه أكثر مما نعرفه.
وبعد أن كانت المعرفة البحرية خبرة جماعية واسعة، أصبحت معرفة تخصصية لدى الصيادين والباحثين والمهندسين والمؤسسات المعنية بالبيئة البحرية. وربما أصبحنا نملك اليوم معرفة علمية بالبحر تفوق ما عرفه أجدادنا، لكننا فقدنا جانباً من تلك المعرفة المباشرة التي كانت تجعل البحر حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية.
أما الصورة الثالثة فهي الأقل حضوراً في الوعي العام، رغم أنها من أكثر الصور ارتباطاً بحياتنا المعاصرة. فمع اتساع الاعتماد على تحلية مياه البحر، التي توفر الجزء الأكبر من المياه المحلّاة في الدولة، أصبح البحر جزءاً من البنية التحتية الوطنية، شأنه شأن شبكات الكهرباء والطرق، لكنه ظلَّ في نظر الكثيرين ذلك المشهد الأزرق الممتد أمام المدن. لهذا اتجه قلقي فيما حدث من تسرُّب نفطي في أكتوبر إلى مآخذ مياه محطات التحلية. ففي هذه اللحظة نظرت إلى البحر من زاوية وظيفية، وطرح قلقي تساؤلاته: هل يمكن سحب مياهه ومعالجتها؟
وهل تبقى المحطات قادرة على العمل؟ والمشكلة ليست في أن يصبح البحر جزءاً من البنية التحتية، فهذا واقع فرضته الجغرافيا والتطور الاقتصادي والعمراني، المشكلة أن تحل هذه النظرة محل النظرات الأخرى، بدلاً من أن تضاف إليها. والتحدي أن تصبح سلامة المنشأة هي المقياس لسلامة البحر، فنطمئن إلى استمرار تدفق المياه من الصنابير، بينما يظل السؤال عن مصير الكائنات البحرية والنظام البيئي غائباً. والمفارقة أن معرفتنا المباشرة به تراجعت وانتقلت أجزاء واسعة منها من ذاكرة المجتمع إلى ذاكرة المؤسسات. وهنا ربما يكمن التحول الأعمق، فلم نَعُد بحاجة إلى معرفة البحر بأنفسنا حتى نستطيع الاعتماد عليه، وصارت بيننا وبينه منظومة كاملة من التكنولوجيا والخبراء والمنشآت. ولا يعني ذلك أن المعرفة الحديثة أقل قيمة من معرفة الأجداد، بل إن لكل منهما طبيعتها وأدواتها، لكن السؤال هو ما الذي نخسره حين تنفصل معرفتنا بالبحر عن تجربتنا اليومية معه؟ لقد أعاد تسرب النفط إلى مياه الخليج طرحَ هذا السؤال أمامنا. فالأمن المائي لا يكتمل بحماية محطات التحلية وحدها، وإنما يمتد إلى حماية البحر الذي تستمد منه هذه المحطات قدرتها على العمل. وقد نتعلم كيف نحمي منشآتنا من أخطار البحر، لكن علينا ألا ننسى كيف نحمي البحر نفسه من الأخطار التي نصنعها نحن.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
إقرأ المزيد


