التيلولوجيا الإيرانية: شهادة الوقائع
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الخامس عشر من أبريل الماضي، كتبتُ في «الاتحاد» مقالاً بعنوان «التيلولوجيا الإيرانية: من العقيدة إلى المضيق»، ذهبتُ فيه إلى أن سلوك النظام الإيراني يُقرأ من غايته قبل أفعاله، وأن العقيدة الساكنة في عمق القرار أبلغ أثراً من ضغط العقوبات وحسابات الربح والخسارة. ولعل هذا الطرح بدا يومها أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى التحليل السياسي. أما اليوم، وقد انقضت قرابة سبعة أشهر حافلة بالفرص المهدرة، فقد غدت الوقائع نفسها شاهدةً على تلك القراءة.
حين جعل أرسطو العلةَ الغائية في مقدمة العلل، أدرك أن الشيء يُفهم بما وُجد لأجله، ومن هذا المَعين صاغ تراثُنا الفلسفي عبارتَه الجامعة: «أول الفكرة آخر العمل». فالغاية تسبق الفعل في الذهن، وتتأخر عنه في الوجود، وتظل على امتداد الطريق محرّكه الخفي. وبهذا الميزان تُفهم الدول العقائدية، تتبدل الوسائل وتتغير الوجوه، وتبقى الغايةُ أكثر رسوخاً.
ولنا أن نختبر هذا الميزان بالوقائع، فقد أُتيحت لطهران خلال هذه الأشهر فرص قلّما تجود بها السياسة على نظام مُحاصر. فبعد الهدنة التي رعتها باكستان في أبريل، وقّعت طهران في السابع عشر من يونيو «مذكرة إسلام آباد» التي نصّت على وقف العدوان على جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز، تمهيداً لاتفاق شامل في غضون ستين يوماً. كانت تلك نافذةً نادرةً للخروج من الحرب بأقل الأثمان، غير أن النيران عادت إلى المضيق بعد ثلاثة أسابيع باستهداف سفن تجارية، فانهارت التهدئة، وامتدت الصواريخ إلى منشآت في دول الخليج حتى بلغت قطر، وهي وسيط في التفاوض، ثم أعلنت طهران تعليقَ التزاماتها بالمذكرة كاملةً.
وتلتها فرصةٌ ثانية حين حملت الوساطة القطرية مبادرةً عرضتها طهران على منبر الأمم المتحدة في سبتمبر، تقضي بإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام وفق سبعة شروط. وعندما جاء الرد الأميركي مستجيباً لبعضها، وصفها النظام لإيراني بالقصور، وأعلن رئيس البرلمان أن المضيق سيبقى مغلقاً حتى تتحقق الشروط كاملةً. وحين عادت طهران مطلع هذا الشهر لتختصر المهلة إلى يومين، ظلّت الشروط على حالها، تقلّص الزمن وثبتت الغاية. هنا تتجلى التيلولوجيا في أنقى صورها، إذ يتجاوز المضيق في هذا التصور كونه ممراً مائياً ليغدو وسيلة ابتزاز.
وفي الملف النووي مضى الخطابُ في الاتجاه ذاته، إذ أصدر نوابٌ ومسؤولون أواخر سبتمبر بياناً يدعو إلى الشروع في الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ثم أعلن نائب رئيس البرلمان مطلع نوفمبر أن نافذةَ التفاوض النووي قد أُغلقت، فيما تحدّث أمين مجلس الأمن القومي عن دراسة تعديل العقيدة النووية. والمفارقةُ أن البوصلةَ ظلّت على اتجاهها رغم غياب المرشد منذ الضربة الأولى للحرب، وكأن الغاية أكبر من الرجال الذين يحملونها.
أما في الداخل، فقد دفع الإيرانيون ثمنَ هذا الإصرار من معاشهم اليومي، إذ هوت العملةُ إلى أدنى مستوياتها تحت وطأة الحصار، واشتعلت الأسعارُ حتى ضاقت بها موائدُ الناس. وفي الوقت ذاته، ظل ملفُّ الأذرع حاضراً في شروط طهران التفاوضية، من لبنان إلى اليمن، وكأن المحاصَر يفاوض باسم امتداده قبل أن يفاوض باسم ذاته. وهذا بعينه ما رصده مقال أبريل عن مجتمع يُحمَّل كلفة مشروع يتجاوزه!
وإلى الأيام الأخيرة، ومع تواتر التقارير عن ضربات أميركية وشيكة، اتجهت طهرانُ إلى موسكو وبكين، تستوثق من حلفائها، متمسكةً بمطالبها القصوى. وهكذا تكتمل الدائرة التي رسمها مقال أبريل: نظام يملك من الفرص ما يكفي للنجاة، ومن العقيدة ما يكفي لإهدارها. 
الدرس لصنّاع القرار الإقليمي والدولي جليّ، فمعالجة هذا النموذج تبدأ من تفكيك غايته، وكل مقاربة تكتفي بتهذيب سلوكه تمنحه زمناً إضافياً لإعادة إنتاج ذاته. فالسياسة تقرأ المصالح، والتيلولوجيا تقرأ المصائر، وسيبقى أول الفكرة في طهران آخرَ عملها، إلى أن يتبدل الفكر الذي صاغ الغاية من جذوره.


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد