جريدة الإتحاد - 11/7/2026 11:19:07 PM - GMT (+4 )

«التجديد النصفي».. دروس مستفادة
حملت انتخابات التجديد النصفي لهذا العام مفاجآت، وأخرى لم تكن مفاجئة. فقد كان متوقعاً أن يفوز «الديمقراطيون»، وهذا ما حدث بالفعل. ربما كان الخطأ الأكبر في حسابات هذه الانتخابات هو افتراض الرئيس دونالد ترامب أنه سيشكل إضافة إيجابية للمرشحين «الجمهوريين» في الدوائر الانتخابية المتأرجحة.
لكن تبين أن تجمعاته الانتخابية في ولاياتهم كانت تتمحور حوله هو شخصياً، وعن رغبته في البقاء في دائرة الضوء، إذ كان يتحدث في كثير من الأحيان قرابة ساعتين، طغى خلالهما على المرشحين الذين كان من المفترض أن يدعمهم، بل ومتجاهلاً إياهم. وكان شعاره المتكرر: «صوتوا وكأن اسمي مدرج في بطاقة الاقتراع».
وفي النهاية، وكما أشار أحد الصحفيين، فعل الناخبون ذلك بالضبط. ونظراً لأن نسبة التأييد للرئيس ترامب لم تتجاوز 32%، فقد كانت النتيجة مخيبة للجمهوريين. ومع جمع المرشحين «الديمقراطيين» أموالاً أكثر من نظرائهم «الجمهوريين»، لجأ الحزب «الجمهوري» إلى لجان العمل السياسي الكبرى، ولجان العمل السياسي التابعة للشركات، وغيرها من الكيانات المستقلة التي تنفق «أموالاً انتخابية» ولا تخضع للإفصاح عن إنفاقها، بهدف منح مرشحيه أفضلية. وكانت النتيجة أغلى انتخابات في التاريخ.
ورغم أن حصر الأرقام لم يكتمل بعد، تشير التقديرات إلى أن إجمالي ما أنفقه الحزبان تجاوز 14 مليار دولار. وكما كان متوقعاً، تصدرت قضايا غلاء المعيشة والهجرة والفساد والحروب الخارجية المشهد الانتخابي. وقد صبت أغلب تلك القضايا في صالح الديمقراطيين، ما دفع «الجمهوريين» إلى إلقاء مسؤولية ارتفاع الأسعار على إدارة بايدن، أو تحويل النقاش إلى التهديد الذي يشكله المهاجرون. وربما نجحت تلك الأساليب في انتخابات 2024، لكن تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس على كثير من السلع الاستهلاكية، إلى جانب الارتفاع المتواصل في تكاليف البنزين ووقود الديزل وتدفئة المنازل، ترك أثره السلبي على «الجمهوريين».
أما قضية المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، والدور الذي تؤديه جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل «إيباك» في ترهيب السياسيين وإسكاتهم، فقد كان تأثيرها في انتخابات نوفمبر أقل مما كان عليه في الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي»، حيث ثبت أن دعم إسرائيل كان سبباً في خسارة عدد من شاغلي المناصب المنتخبة. وفي سباقات مجلس الشيوخ، أعلن عدد من «الديمقراطيين» الفائزين بوضوح معارضتهم تقديم المساعدات لإسرائيل، ورفضهم قبول دعم «إيباك».
لكن لأن منافسيهم «الجمهوريين» لم يثيروا هذه القضية، لم تتحول إلى محور رئيسي في انتخابات نوفمبر. وكان الاستثناء الأبرز سباق مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، الذي خاضه «الديمقراطي» عبد السيد في مواجهة منافسه «الجمهوري» مايك روجرز.
لكن روجرز لم يكن هو من جعل انتقادات عبد السيد لإسرائيل محوراً للحملة. فبدلاً من ذلك، وعلى غرار الرئيس ترامب، ركز روجرز على اتهام عبد السيد بالاشتراكية أو التطرف الإسلامي، والتشكيك في قدرته على الولاء لأميركا. أما الهجمات على مواقفه المنتقدة لإسرائيل، فقد تولت شنها المرأة التي هزمها في الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي»، والتي واصلت مطالبته بتبني مواقفها بشأن إسرائيل. وعندما رفض عبد السيد ذلك، أعلنت تأييدها لمايك روجرز، في خطوة انتحارية سياسياً انتهى بها الأمر إلى تعزيز حملة عبد السيد.
وبعيداً عن قضايا السياسات، برزت «قضية جوهرية» أسهمت في تشكيل سباقات العام الحالي. فقد سئم الناخبون من كلا المعسكرين الحزبيين السياسيين، ولا سيما الشخصيات التي تبدو بمظهر مصطنع ومصقول بعناية، والتي يصنعها مستشارو الحملات الانتخابية، والتي هيمنت طويلاً على المشهد، فالناخبون يريدون مرشحين صادقين على سجيتهم، يتحدثون بصراحة حتى عن الحقائق القاسية، ويشعرون بأنهم جديرون بالثقة وقادرون على تلبية احتياجاتهم. وقد يجادل البعض بأن هذه كانت تحديداً سبب جاذبية دونالد ترامب عام 2016، وجو بايدن عام 2020. لكنها ميزة فقدها ترامب لاحقاً، بعدما انشغل بمشروعات تجديد ممتلكاته الباهظة، وتورطه في صفقات تجارية مشبوهة، وأظهر استخفافاً واضحاً بالصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها كثير من الناخبين.
وبشكل عام، يمكن وصف انتخابات العام الحالي بأنها نموذج كلاسيكي لرغبة الناخبين في «الإطاحة بالمسؤولين الحاليين»، فقد شهدت هزيمة العديد من السياسيين الديمقراطيين المحسوبين على المؤسسة الحاكمة في الانتخابات التمهيدية، كما أُقصي رموز المؤسسة في الحزب «الجمهوري» خلال الانتخابات العامة. وينبغي استخلاص الدروس من هذه الانتخابات، ويبدو أن المستشارين السياسيين التقليديين في كلا المعسكرين لا يدركون ذلك. فلا ينبغي للديمقراطيين افتراض أن انتصارات هذا العام ستتكرر تلقائياً في عام 2028. إن المستشارين الذين يخبرون «الديمقراطيين» بأن الحزب «الجمهوري» قد انتهى، وأنه حان الوقت للتوجه نحو الوسط، مخطئون في كلا الأمرين.
وقد اختار الناخبون نواباً «ديمقراطيين» مستعدين للنضال من أجل تغيير الأولويات الاقتصادية، بحيث تُعتبر الرعاية الصحية حقاً متاحاً وبتكلفة معقولة للجميع، وتُوجه الموارد بعيداً عن الحروب والأسلحة واستثمارها في تلبية الأولويات المحلية، ولا تهيمن أموال الشركات والمليارديرات على حياتنا السياسية. وإذا لم يعمل «الديمقراطيون»، الذين أصبحوا في السلطة حالياً، على معالجة تلك القضايا التي منحتهم الفوز، فقد يدفعون ثمن تقاعسهم في عام 2028.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


