أوروبا.. إرهاق يشبه الحزن -2-
‎جريدة الإتحاد -

أوروبا.. إرهاق يشبه الحزن -2-

الزائر لأوروبا يجد معظم الناس يلهثون وراء تعب وأعباء اليوم، الزوج والزوجة لا يلتقيان بشكل طبيعي إلا سويعات في اليوم، وفي الإجازة الأسبوعية التي تستهلك في التنظيف وأشغال المنزل المختلفة والتسوق بمقدار يسد الكفاف؛ لأن كل شيء محسوب، وأي هزة أو قلق يخربط الميزانية، وبرامج الدفع الشهري من مستحقات وأقساط وسلف صغيرة، لا شيء للرفاهية والاستهلاك، حتى الإجازات يجري عليها الأقساط والدفع المجزأ، لذا أي أزمة أو ارتفاع في أي من المستهلكات تظهر عليهم علاماتها، وتتحول إلى شيء يشبه الحزن يجثم على صدورهم، أما الأزمات العالمية والحروب والأوبئة فتشلّ حركتهم، وينقلب حالهم، حتى إن الكثير يفقد وظيفته ومنزله وتجارته الصغيرة، لذا الخوف لا يفارقهم، هم سعداء ما دامت عجلة الأيام تمشي بانتظام، ووفق نظام، الرعب أن يحدث شيء يغير إيقاعهم، حتى لو كان حملاً مفاجئاً لم تحسب الزوجة حسابه!
زيادة الحر صيفاً تخلق لهم مشكلة، البرد القارس شتاء يشكل عليهم عبئاً، زيادة سعر الوقود تزلزل ميزانياتهم، وتعطل مشاريعهم، وتضغط على أعصابهم، وتجعلهم غير متفائلين بالحياة، الكوارث الطبيعية تصبح غير طبيعية عندهم، لأنها تكبدهم مصاريف غير معمول حسابها، يظل ويطل سؤال على القارئ والمطلع والسابر وجوههم المتعبة، متى سيفرح هؤلاء الناس؟ متى سيشعرون بالرضا، والسكينة؟ لِمَ هم معلقون في عجلة تجرهم بسرعاتها العالية، ولا يستطيعون الفكاك منها؟
أكثر الأمور محزنة في أوروبا وضع النساء، وخاصة الشابات، وكيف يستهلكن ساعات اليوم، وأيام الأسابيع، وأشهر السنة، وهن يكددن كدّ الجهد، حتى تذوي الواحدة بسرعة أو تهاجمها أمراض نفسية وجسدية، باختصار حالهن يلخص سيرورة الحياة وثقل تعبها في هذه القارة العجوز.
قد نستثني شعوب الدول الاسكندنافية قليلاً، وبالتأكيد نستثني الإيطاليين خاصة سكان البحر الأبيض المتوسط، هؤلاء لا تفرق الأمور معهم ما دامت العائلة بخير، هم بخير، وما دام يعرفون البقال، ولا ينقطع سلامهم على الخباز، وأن هناك جدة في البيت تصنع لهم كل شيء من لا شيء، هناك عندهم سند ودفء اجتماعي تفتقده أوروبا فرنسا وألمانيا وبلجيكا والنمسا، إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، هناك صخب وضحك وغناء ومزاح يعينهم على الحياة، وبناء كنيسة يغنيهم عن بناء مصنع ألمونيوم، وفنجان قهوة في مقهى ألذ من الوقوف في طابور يوزع قسائم بضائع مدعومة، العائلات الكبيرة والتي تنهي أسبوعها بالصلوات تمنع ذلك الفزع من الغد، وتمنح الصبر على اليوم!



إقرأ المزيد