حين أصبحت الخيانة "مؤسسة"!
الخليج الجديد -
[unable to retrieve full-text content]

كان الخائن، في وقتٍ مضى، يداري خيانته، ويمارس طقوسها سرا، وربما يرفع عقيرته بالوطنية والأخلاق الحميدة، ليخفي ما يبطن، ثم تطوّر الأمر، فأصبحت الخيانة لدى بعضهم "وجهة نظر".

وتوسّع بعضهم في المشهد، فأضافوا إلى أدبيات الحوار ما يسمونه البعد عن "التخوين"، باعتبار أن القوم كلهم سواسية في الانتماء للوطن، وللأمة وقيمها ومثلها. وبالتالي، لا يحقّ لأحد أن يخوّن أحدا آخر لمجرّد "وجهة نظر".

ويبدو أن هذه الممارسة لم تقف عند حد، فتطوّرت على نحو مضطرد، واتخذت شكلا لم يكن أكثرنا تطرّفا يحلم برؤيته، فقد أصبحت الخيانة بكامل نصابها "مؤسّسةً" حقيقية، لها ناطقون باسمها ولها ذبابها الإلكتروني، وكل الحشرات المقرفة، ما عُلم منها وما لم يُعلم.

وأصبح لها محطات إذاعةٍ وفضائياتٌ وشيوخٌ وأئمةٌ (ومؤذنون وحفظة قرآن أيضا!) ومراكز دراساتٍ وكتابٌ ومنظرون ووزراء، ورؤساء وزارات وأولياء عهد بالطبع، فضلا عن "ولي أمرٍ" لزوم البيعة الشرعية(!).

نعم.. ثمّة مؤسسةٌ ترعاها دول وأجهزة وحشرات "مغرّدة"، مهمتها إضفاء الشرعية والقانونية على كيانٍ مسخ قاتل، يسمى "إسرائيل". هو أصلا لا يحترم من يخدمه، حتى ولو توجه بالصلاة إليه ستين مرة في اليوم، فكل من هو غير يهودي هو محض "غوييم" أو أغيار، من عبدة الشيطان الكفار بشريعة القتل التي يتبنّاها يهود.

وبالتالي، فمهما قدّمت مؤسسة الخيانة من خدمات للسادة "اليهود" فهم محض عبيد لشعب الله المختار، وهذا ليس كلامي، بل هو منطوقُ ما يقوله حكماؤهم من حاخامات ورجال دين وفكر. وحتى بعيدا عن الدين، هم ينظرون إلى كل من يقدم لهم خدماتٍ بوصفه مسخّرا لخدمتهم ليس إلا.

وهو ليس محط احترام، ولا مأمون الجانب. وإن لزم الأمر تخلّوا عنه، وداسوه بنعالهم حين تنتهي "صلاحيته". وفي الأثناء، ليس هناك ما يمنع من حياكة المؤامرات ضده، والتجسّس عليه، واختراق أجهزته.

وفي المجمل، لا ينال الخائن لديهم غير ما ناله الخائن الضابط النمساوي من نابليون، حين تمنى أن يصافحه قائلا: سيدي العظيم يشرفني أن أصافح قائدا عظيما مثلك.. فرد عليه نابليون: أما أنا فلا يشرفني أن أصافح خائنا لوطنه مثلك. وانصرف الجاسوس، وبصق عليه نابليون من وراء ظهره.

ومن يتابع الصحافة العبرية لا تخطئ عيناه كمية "البصاق" الذي تحفل به ضد مؤسسة الخيانة العربية، و"فرسانها" الكبار، بل إنها لتحفل بكمية سخريةٍ واستهتارٍ بالخونة إياهم، لو اطلعوا عليها، لربما دفنوا أنفسهم أحياء، إنْ كان بقي لديهم ذرةٌ من حياء أو رجولة. لكن يبدو أن بعضهم نسي ما معنى الرجولة والذكورة حتى، فقرّر أن يمضي في دروب الاستخذاء والنذالة والزحف على البطن حتى النهاية.

في الماضي، كان بعض الساسة يتحدّث عن تسوياتٍ وتفاهماتٍ وتقاسم أراضٍ، وتبادل مصالح، وكانت تلك خيانةٌ من صنف "وجهة النظر". أما اليوم، فغدا الأمر وقاحةً وتبجّحا واستعدادا لتسليم مقاليد الأمة كلها لعدوها، وتبنّي روايته في قيام كيان القتلة في فلسطين.

بل إن بعض هؤلاء النجّس ممن رفع عقيرته بنهيق الذل والاستخذاء قد سبق حتى ما ورد فيما تسمى "وثيقة استقلال" كيان العدو الصهيوني التي تعترف بوجود العرب وحقهم في فلسطين.

بل إن بعض خطابات الناطقين باسم مؤسسة الخيانة تفوقت على خطاب بن غوريون، وهو يعلن قيام كيان العدو، حيث بدا بن غوريون معتدلا بالنسبة لصهاينة العرب، في مزاعمهم ضد أهل فلسطين، وسلبهم حتى حق التعبير عن وجهة نظرهم.

أصبح هؤلاء الليكوديون الناطقون بالعربية أكثر من الهمّ على القلب، فلا يكاد يمر يوم من دون أن تستمع أو تقرأ لهم ما يعبر عن المدى الذي وصلوا إليه، حتى سبقوا الضابط النمساوي نفسه، إذ هم مستعدون حتى لتمويل عملية خيانتهم، والصرف عليها من مال الأمة، لا أن يقبضوا ثمنها.

ومما غاب عن هؤلاء، سواء كانوا من سدنة المؤسسة أو أذنابها ومستخدميها وحشراتها الإلكترونية، أن شعبا واجه المشروع الصهيوني ما يزيد عن المائة عام، ولم يزل يُناجزه بكل ما أوتي من قوةٍ متواضعةٍ، سواء كانت حجارة أو طائرات ورقية أو سكاكين، أو صواريخ "بدائية"، لا يمكن أن ينحني لمؤسسة الخيانة، أو يسلم بخياراتها التافهة، حتى ولو بقي من هذا الشعب طفل رضيع.

لمن لم يخض في حياته نضالا إلا في ميدان زواج المسيار وسياحة المتعة أن يستسلم، ويحاصر شقيقه وشريكه، ويلاحق كل شريفٍ ووطني. ولكن ليس له، ولا لغيره، أن ينافس بلفور (صاحب الوعد الشرير والشهير)، فيعطي من لا يملك لمن لا يستحق.

لهؤلاء وأولئك أن يبيعوا شرفهم وكرامتهم. ولكن ليس من حقهم أن يسمّوا أبو ديس بالقدس، ولا أن يغسلوا يدي قاتل من دماء أبناء جلدتهم. ولهم أن يقولوا مع قناتهم عن كيان العدو:

"وُلدت إسرائيل، وأصبح الحُلُم حقيقة"، و"جيوش عربية مجاورة غزت المناطق الفلسطينية"، و"بعد أقل من ثلاث سنوات من التحرّر من معسكرات الاعتقال، شعر اليهود بأنهم يتابعون كفاحهم للبقاء".

ولهم أن يذهبوا إلى أبعد من هذا، بل لهم أن يتبرّعوا ببيوتهم لليهود، ولهم أن يعيدوهم إلى خيبر إن أرادوا، وفي وسعهم بعد أن "طقّ عرق حيائهم" أن يجمعوا دينين وثلاثة في جزيرة العرب، لكن ليس لهم، ولا لقوة في الكرة الأرضية، ولا في المجرّة كلها، أن تجبرني على التنازل عن بيتي في يافا.

فليسفّ الخونة تراب الربع الخالي، وليشربوا ماء الخليج المالح، لكن ليس لهم، ولا لغيرهم، أن يجبروا طفلا فلسطينيا أن يمنح قاتل أبيه الحق في الحياة.

* حلمي الأسمر كاتب وصحافي من الأردن.

التاريخ: 
الخميس, يوليو 12, 2018 - 07:45
المصدر: 
العربي الجديد
أضف إلى مربعات الصفحة الرئيسية: 
No
تاريخ النشر: 
الخميس, يوليو 12, 2018 - 07:45
المنطقة: 


إقرأ المزيد