"ترامب" يواصل الحرب الاقتصادية على تركيا.. والليرة تدفع الثمن
الخليج الجديد -

"ترامب" يواصل الحرب الاقتصادية على تركيا.. والليرة تدفع الثمن

لم تنجح زيارة الوفد التركي إلى واشنطن في وضع حد للحرب الاقتصادية الشرسة التي تشنها الولايات المتحدة ضد أنقرة بهدف إخضاعها أمام الشروط الأمريكية التي يأتي على رأسها الإفراج عن القس الأمريكي "أندرو برانسون"، والالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران.

آثار تلك الحرب ظهرت جلية في الانخفاض الحاد الذي شهدته قيمة الليرة التركية التي فقدت أكثر من 40% من قيمتها منذ بداية العام الجاري.

وجاءت زيارة الوفد الأمريكي إلى واشنطن بعد أيام من إعلان أمريكا إدراج وزيري العدل والداخلية بالحكومة التركية على قائمة العقوبات، متذرعة بعدم الإفراج عن القس الأمريكي؛ ما دفع أنقرة إلى استخدام حقها في المعاملة بالمثل وتجميد الأصول المالية لوزيري العدل والداخلية الأمريكيين.

وقرر القضاء التركي حبس "برانسون"، في 9 ديسمبر/كانون الأول 2016، على خلفية عدة تهم تضمنت ارتكابه جرائم باسم منظمتي "غولن" و"بي كا كا" تحت مظلة رجل دين، وتعاونه معهما رغم علمه المسبق بأهدافهما، قبل أن يصدر قرار قضائي بفرض الإقامة الجبرية عليه.

ويبدو أن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" لا ينوي الخضوع للإملاءات الأمريكية، حيث وعد بأن تخرج بلاده منتصرة من هذه الحرب الاقتصادية.

وأكد "أردوغان"، الجمعة، أن بلاده تدرك جميع المؤامرات التي تحاك ضد بلاده، قائلا: "الشعب التركي الذي لا يخشى الدبابات والطائرات والمدافع والرصاص، لن يخشى مثل هذه التهديدات، ومن يظن عكس ذلك فإنه لم يعرف هذا الشعب إطلاقًا".

وتابع: "اولئك الذين يسعون وراء حسابات صغيرة مجازفين بالتضحية بتركيا، تأكدوا أنهم سيندمون كثيرا".

وأضاف قائلا: "أقول للوبيات الفائدة لا تتحمسوا عبثا، فلن يمكنكم التكسب على حساب هذا الشعب وإخضاعه".

وقال "أردوغان": "إذا كان لديهم الدولار، فنحن لدينا شعبنا وربنا الله"، مضيفا "نحن نعمل بكد بالغ".

ودعا "أردوغان": "مواطني بلاده إلى عدم الالتفات للحملات التي تستهدف تركيا واقتصادها"، مضيفا: "اليوم نحن أفضل من ذي قبل، وسنكون غدا أفضل من اليوم، كونوا على ثقة من ذلك".

مضاعفة الرسوم الأمريكية

وفي المقابل أمر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بزيادة الرسوم على الواردات التركية من الألومنيوم والصلب، حيث أصبحت رسوم استيراد الألومنيوم 20% والصلب 50%.

وقال "ترامب" في تغريدة على "تويتر" صباح اليوم: "أصدرت للتو أمرا بمضاعفة رسوم الصلب والألومنيوم فيما يتعلق بتركيا في الوقت الذي تتراجع فيه عملتهم، الليرة التركية، تراجعا سريعا أمام دولارنا القوي جدا".

وأضاف: "علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة حاليا!".

وهوت الليرة التركية بنسبة 14%، لتصل إلى مستوى قياسي جديد بعد قرار الرئيس الأمريكي.

وسجل الدولار في تعاملات اليوم 6.39 ليرات، فيما وصل سعر اليورو إلى 7.1 ليرات.

وأفادت تقارير إعلامية أن مستثمرين أجانب في تركيا جمدوا قراراتهم الاستثمارية لحين استقرار العملة المحلية.

على صعيد متصل، قالت صحيفة "فايننشال تايمز" الجمعة إن البنك المركزي الأوروبي يشعر بقلق متزايد بشأن انكشاف بنوك منطقة اليورو على تركيا.

وقالت الصحيفة إن المركزي الأوروبي -الذي امتنع عن التعقيب على تقريرها- قلق بشكل رئيسي بشأن بنك "بي أن بي باريبا" الفرنسي و"بي بي في أيه" الإسباني و"أوني كريديت" الإيطالي.

ولدى البنوك الثلاثة العمليات الكبرى في تركيا، رغم أن مساهمة الوحدات المحلية التابعة لها في إجمالي ميزانياتها متواضعة نسبيا. وانخفضت أسهم البنوك الثلاثة بنحو 3%.

وكشفت وسائل إعلام تركية، الجمعة، نقلًا عن نظيرتها الأمريكية، أن فشل مهمة الوفد التركي إلى الولايات المتحدة تعود إلى الشروط المجحفة التي فرضتها إدارة البيت الأبيض وفي مقدمتها الإفراج عن القس أندرو برانسون، حيثُ أمهلت أنقرة حتى يوم الأربعاء المقبل، وإلا ستفرض عليها عقوبات أشد قسوة، إلى جانب الالتزام بالعقوبات على إيران.

وقالت الصحف، إن الوفد كان يفترض أن يجري مباحثاته مع المسؤولين الأمريكيين على مدى يومين، ولكن تم اختصارها في 50 دقيقة فقط بالخارجية و35 دقيقة بالخزانة، الأمر الذي دعا الوفد إلى مغادرة واشنطن والعودة إلى بلاده.

وفي نهاية الأسبوع، قال الممثل التجاري الأمريكي إن الولايات المتحدة تراجع إعفاء تركيا من الرسوم الجمركية في السوق الأمريكية، وهي خطوة قد تؤثر على صادرات تركية بقيمة 1.7 مليار دولار.

إجراءات تركية

في المقابل، حاولت تركيا اتخاذ إجراءات للحد من الآثار السلبية لتلك الأزمة، حيث عدل البنك المركزي التركي، قبل أيام، قواعد احتياطي النقد لزيادة كميات النقد الأجنبي المتاحة لدى البنوك التجارية، في محاولة لدعم العملة التركية المتراجعة.

وأشارت وكالة بلومبرج إلى أن تعديل قواعد الاحتياطي النقدي الإلزامي، عادة ما يكون أول خيار يلجأ إليه البنك المركزي التركي لتعزيز قيمة الليرة التركية.

وقد حذر بنك الاستثمار جولدمان ساكس من أن مزيدا من التراجع في الليرة التركية إلى 7.1 مقابل الدولار قد يمحو بدرجة كبيرة فائض رؤوس أموال بنوك البلاد.

وقدرت مذكرة لمحللي البنك أن كل تراجع بنسبة 10% في الليرة يؤثر على مستويات رؤوس أموال البنوك بواقع 50 نقطة أساس في المتوسط.

من جهته، يستعد وزير المالية التركي "براءت البيرق" في وقت لاحق الجمعة للإعلان عن التفاصيل المتعلقة بنموذج جديد للاقتصاد يتضمن إصلاحات.

وأكدت الوزارة أن وضع النظام المصرفي في البلاد يتيح إدارة التقلبات المالية بشكل فعال من خلال هيكلة متينة.

وأضافت أنه في إطار البرنامج ستحدد حزمة تدابير وسياسات قوية، لضمان نمو الاقتصاد بين 3% و4% خلال العام المقبل، وخفض مستوى التضخم إلى أقل من 10%.

وأشارت الوزارة إلى أن مشاريع البنى التحتية ستنفذ من خلال التمويل الخارجي والمستثمرين الأجانب.

وبغض النظر عن التفاصيل المتعلقة بالنموذج الجديد للاقتصاد التركي، تظل الأنظار متوجهة إلى تطورات الأزمة الحالية بين واشنطن وأنقرة بما تحمله من تداعيات داخلية في تركيا وما قد يصاحبها من تغييرات على التنسيق التركي الأمريكي في عدد من القضايا الإقليمية والدولية أبرزها القضية السورية.

وبينما يرى محللون أن نبرة "ترامب" فيما يخص قضية القس الأمريكي تأتي بدوافع انتخابية قبل نحو 3 أشهر من انتخابات التجديد للكونغرس الأمريكي، يرى مراقبون أن لغة "ترامب" تحصر خيارات تركيا التي يصعب على رئيسها أن يتخذ قرارا يظهره أمام شعبه بمظهر الخاضع للتهديدات الأمريكية.



إقرأ المزيد