أمريكا بين الأزمة الدستورية والاستقطاب السياسي
الخليج الجديد -

أمريكا بين الأزمة الدستورية والاستقطاب السياسي

استقطاب سياسي حاد يصل حد الخلاف حول طبيعة الصلاحيات الدستورية للمؤسستي الكونغرس والرئاسة.

الاستقطاب السياسي ليس أقل خطورة من الأزمات الدستورية فقد تتعرض العملية السياسية برمتها للشلل وإن اختلفت المسببات.

امتناع إدارة ترامب عن تقديم المعلومات عن السياسات العامة سابقة خطيرة في نظام سياسي يستمد عافيته من الضوابط والتوازنات.

*     *     *

لو أن البيان الصحافي الذي أصدرته رئيسة مجلس النواب الأمريكي الأسبوع الماضي كان قد صدر في عهد أي رئيس أمريكي سابق لكان معبراً عن أزمة دستورية خطيرة. لكن البيان يجسد بدرجة أكبر أزمة استقطاب سياسي وحزبي مستحكمة قد تؤدي أو لا تؤدي لأزمة دستورية.

فبعد أسابيع قليلة من انتهاء المحقق روبرت مولر من عمله وتقديم تقريره لوزير العدل، لم تخف حدة الصراع السياسي في واشنطن، بل لعله ازداد احتقاناً بسبب الملابسات التي أحاطت بالإعلان عن نتائج التحقيق ثم التقرير نفسه.

فبعد أيام من إرسال وزير العدل للكونغرس تقريراً لخص فيه نتائج تحقيق مولر، مؤكداً عدم وجود تآمر مع الروس، وبرأ بنفسه الرئيس من تهمة تضليل العدالة، تم الإفراج عن أغلب أجزاء تقرير مولر، الذي وجد معه بعض أعضاء الكونغرس أن تقرير وزير العدل كان مضللاً، على أفضل تقدير، وتمت دعوته للشهادة أمام المجلسين.

لكن وزير العدل قبِلَ المثول للشهادة أمام مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري، بينما رفض المثول للشهادة أمام مجلس النواب، الذي يتمتع فيه الديمقراطيون بالأغلبية، مما رفع من حدة التوتر السياسي، وطالب مجلس النواب مثول روبرت مولر شخصياً للشهادة بعد أن تبين من تسريبات صحافية أنه لم يكن راضياً، هو الآخر، عن ملخص وزير العدل.

أما إدارة ترامب، فقد أعلنت رفضها الانصياع لطلبات الكونغرس، سواء في التقدم بالمعلومات المطلوبة عن السجل الضريبي للرئيس، أو في استدعاء مساعدي الرئيس للمثول للشهادة بخصوص ما أدلوا به من معلومات أمام فريق المحقق الخاص.

لكن البيان الصحافي الذي أصدرته نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، ذهب في الواقع، لما هو أبعد من ذلك كله في شرحه لما يجري بين الإدارة والكونغرس.

فتحت عنوان «عراقيل إدارة ترامب: غير دستورية وغير مسبوقة ولا مبرر لها»، اتهمت رئيسة مجلس النواب إدارة ترامب بأنها «ترفض التعاون» بالمطلق مع الكونغرس والسماح له بالقيام بمهامه المنوطة به دستورياً.

واتهمت نانسي بيلوسي الإدارة «بإصدار سياسات ترفض احترام سلطة الكونغرس في الرقابة على المؤسسة التنفيذية»، عبر الامتناع عن تقديم المعلومات التي تطلبها لجان المؤسسة التشريعية لممارسة دورها الرقابي.

ثم عددت، في بيانها، المسائل التي ترفض فيها إدارة ترامب تقديم المعلومات، فقالت إنها لا تشمل فقط تقديم سجل الرئيس الضريبي، أو ما يتعلق بتقرير مولر، وإنما تمتد لتشمل المعلومات المطلوبة لممارسة الكونغرس لدوره «بخصوص قضايا تمس حياة الشعب الأمريكي».

ومنها على سبيل المثال، ما يتعلق بأداء الإدارة بخصوص تنفيذ برنامج الرعاية الصحية، والسياسات الخاصة برعاية المحاربين القدماء وسياسات الهجرة، فضلاً عن إضافة أسئلة لاستبيان التعداد السكاني.

وأضاف البيان أن هيئات الاستخبارات والأمن القومي، في إدارة ترامب، توقفت عن التقدم بالتقارير السرية المتعلقة بتهديدات الأمن القومي إلى اللجان المعنية، بعد أن كانت تلك التقارير تقدم شهرياً منذ عقد كامل، الأمر الذي «يضر جوهرياً بقدرة الكونغرس على فهم التهديدات التي تواجه البلاد ومواجهتها».

ورغم خطورة ما جاء في بيان رئيسة مجلس النواب إلا أن ما جاء فيه لاحقاً يكشف عن أن الأزمة عبارة عن صراع حزبي لا صراع بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية.

فما جاء في بيان رئيسة مجلس النواب بخصوص امتناع إدارة ترامب عن تقديم المعلومات عن السياسات العامة يمثل سوابق خطيرة في ظل نظام سياسي يستمد عافيته من الفكرة المعروفة بـ«الضوابط  والتوازنات» checks and balances، أي وجود مؤسسة تشريعية تتساوى في صلاحياتها مع المؤسسة التنفيذية وقادرة على مراجعتها ومحاسبتها بما يضمن عدم استئثارها بصنع القرار أو الافتئات على صلاحيات المؤسسات الأخرى.

لكن بيان رئيسة مجلس النواب استطرد ليعلن أن إدارة ترامب، بأوامرها لكل الأجهزة التنفيذية بعدم التعاون مع الكونغرس، ليست وحدها التي تحول دون ممارسة الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، وإنما يساعدها في ذلك الجمهوريون في الكونغرس نفسه، واصفة صمتهم في وجه ممارسات إدارة ترامب بأنه «يصم الآذان»، ومشيرة إلى أن «الجمهوريين بالكونغرس طالبوا بالشفافية حين كانت تخدم مصالح ترامب السياسية، ولكنهم يفعلون العكس تماماً إزاء عراقيل ترامب غير المسبوقة».

والفارق كبير بين تشخيص ما يجري اليوم في الولايات المتحدة بأنه أزمة دستورية، كما يصفه بعض الديمقراطيين في الكونغرس، وبين تشخيصه باعتباره استقطاباً سياسياً. فالأزمة الدستورية هي تلك التي تتصارع فيها المؤسسات السياسية بشأن صلاحياتها الدستورية.

لكن الواقع الحالي هو عبارة عن اصطفاف جمهوري في الكونغرس والرئاسة معاً، مقابل اصطفاف للحزب الديمقراطي، أي استقطاب سياسي حاد يصل إلى حد الخلاف حول طبيعة الصلاحيات الدستورية لكل من المؤسستين أصلاً.

والاستقطاب السياسي ليس أقل خطورة من الأزمات الدستورية. ففيه أيضاً قد تتعرض العملية السياسية برمتها للشلل، وإن اختلفت المسببات.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، مختصة بالنظام السياسي الأمريكي.



إقرأ المزيد