هل توقع دول الخليج معاهدة عدم اعتداء مع إسرائيل؟
الخليج الجديد -

"سيتبعها اتفاقية عدم اعتداء بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى مصر والأردن، وربما المغرب".. هكذا علق رئيس وزراء قطر الأسبق "حمد بن جاسم" على إعلان خطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط، المعروفة إعلاميا بـ "صفقة القرن"، مشيرا أن الإعلان عن الخطة يمهد الطريق أخيرا لتأسيس الكيان الإقليمي الذي طال انتظاره، والمعروف باسم "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي "ميسا" والمنتظر أن يضم في عضويته عددا من الدول العربية إضافة إلى (إسرائيل).

وقد لقيت تصريحات "بن جاسم" اهتماما كبيرا من المراقبين فيما يبدو، ولا يعود هذا الاهتمام إلى مكانة "بن جاسم" كأحد أبرز المسؤولين ومفكري التخطيط الاستراتيجي في قطر فقط، ولكن أيضا لأن "بن جاسم" سبق أن أكد في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي أن صفقة القرن سوف يتم الإعلان عنها في يناير/كانون الثاني، وهو ما تم بالفعل، الأمر الذي دفع كثير من المحللين للتعاطي مع ما كتبه عبر حسابه الموثق على تويتر باعتباره معلومات وليس مجرد توقعات.

جددت تأكيد "بن جاسم" التساؤلات بشأن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي الذي تسعى إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لتشكيله بمشاركة كل من (إسرائيل) ودول الخليج ومصر والأردن، بهدف "التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة"، وهو ما أكده وزير الخارجية الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين أشار إلى احتمالية توقيع اتفاقية عدم اعتداء بين (إسرائيل) وعدد من الدول العربية، واتهم إيران بأنها التهديد الرئيسي لأمن المنطقة، بحسب وصفه.

خطوات تنفيذية

وبدا من تصريحات الوزير الإسرائيلي، التي أطلقها خلال مقابلة أجراها مع إذاعة جيش الاحتلال في 2 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن ترتيبات تأسيس الحلف وصلت إلى مراحل متقدمة، حيث جاءت التصريحات متزامنة تقريبا مع وصول وفد إسرائيلي إلى واشنطن لبحث إمكانية التوصل لاتفاق عدم اعتداء بين (إسرائيل) ودول الخليج.

وضم تشكيل الوفد الإسرائيلي ممثلين عن وزارة الخارجية ومكتب الأمن القومي ووزارة الجيش ووزارة العدل، فيما تحدث "كاتس" عن إمكانية "طرح مشروع لربط السعودية ودول الخليج مع إسرائيل بشبكة سكك حديدية تربط البلدان الخليجية مع ميناء حيفا والموانئ الإسرائيلية الأخرى على البحر الأبيض المتوسط".

وتتضمن تفاصيل الاتفاق أيضا، بحسب مصادر القناة الـ12 الإسرائيلية إقامة دولة الاحتلال علاقات ودية مع دول الخليج وإطلاق التعاون بينها في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الإرهاب والتعاون الاقتصادي، مع التزام الطرفين بعدم الانضمام إلى أي تحالفات عسكرية أو أمنية موجهة ضد بعضهما البعض.

وحسبما نقل تحقيق بعنوان "نتنياهو صديق العرب" أجرته القناة 13 العبرية عن مصادر أمريكية وإسرائيلية، فإن المباحثات عقدت بالبيت الأبيض في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وشارك فيها مسؤولون كبار أمريكيون وإسرائيليون إضافة إلى السفير الإماراتي في واشنطن "يوسف العتيبة" المقرب جدا من ولي العهد في أبوظبي، "محمد بن زايد".

البداية من وارسو

وتعود البداية الفعلية لهذه المباحثات إلى مؤتمر وارسو في فبراير/شباط 2019، الذي نظمته الولايات المتحدة ضد إيران بمشاركة عشرات الدول من بينها (إسرائيل) ودول خليجية، وبعد انتهاء أعماله بادر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لإقامة إطار ثلاثي شمل مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وإماراتيين بغية تعزيز المشاورات والاتصالات ضد إيران.

وهيأ المؤتمر بشكل فعلي لتعاون خليجي إسرائيلي تتبادل فيه دولة الاحتلال المصالح الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية مع السعودية والإمارات ودول حليفة لهما، وكسر حاجزا مهما لم تتمكن (إسرائيل) من اختراقه منذ تأسيسها؛ حيث جلس مسؤولو معظم الدول العربية للحوار مع رئيس وزرائها "بنيامين نتنياهو".

وفي أعقاب المؤتمر، انطلق قطار التطبيع الخليجي الإسرائيلي بسرعة غير مسبوقة، وشمل محطات أبرزها احتضان مملكة البحرين للقاءات الشطر الاقتصادي من صفقة القرن، في أواخر يونيو/حزيران الماضي، رغم الاعتراض الفلسطيني، وهو ما قدم دليلا على أن خطة السلام الأمريكية تحظى بالدعم الخليجي الكامل.

وفي الإطار ذاته، زار وفد رسمي تابع للخارجية الإسرائيلية دولة الإمارات مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي من أجل الاطلاع على الاستعدادات الجارية لمعرض "إكسبو 2020"، الذي يقام في دبي، والذي أعلن "نتنياهو" رسميا مشاركة (إسرائيل) فيه.

عقبات

غير أن هناك عقبات كبرى لا تزال ماثلة أمام الحلف، ويرجح المراقبون أنها تسببت في تأخر إعلان تأسيسه منذ طرح الفكرة لأول مرة عام 2018، وعلى رأس هذه العقبات الخلافات التى تجمع الأعضاء العرب المعنيين بالتحالف الاستراتيجي.

وتتمحور هذه الخلافات بالأساس حول عدم اتفاق دول التحالف على تحديد مصادر التهديد التى تواجهها، فبينما ترى السعودية والإمارات والبحرين إيران كخطر كبير يجب مواجهته بكل السبل، لا تؤمن بقية الدول المرشحة لعضوية التحالف بأن إيران تمثل الخطر الأول عليهم، خاصة مصر.

وفي هذا الإطار، نقلت وكالة رويترز في وقت سابق عن مصدر عربي أن القاهرة انسحبت من مباحثات التأسيس "لتشككها في جدية المبادرة، ولأنها تنطوي على خطر زيادة التوتر مع إيران".

 كما يمثل انخفاض مستوى الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء للتحالف المزمع تحديا آخرا أمام تشكيله، خاصة بعدما تعمقت أزمة الثقة بين الدول الخليجية على خلفية أزمة حصار قطر.

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب المصري "محمد المنشاوي" أن "الموقف المصري والأزمة الخليجية من بين أهم التحديات التى تواجه بناء التحالف الاستراتيجي، ومن الصعوبة بمكان تصور تأسيسه ما لم يتم حل كل منهما"، وفقا لما أوردته صحيفة الشروق المصرية.

وتبقى هناك أيضا قضية مشاركة (إسرائيل) في التحالف في ظل عدم وجود علاقات رسمية بين الدولة العبرية وبين معظم الدول الأعضاء في الحلف وهل ستشارك دولة الاحتلال بشكل رسمي أم سيكون تنسيق دول الحلف معها ضمنيا من وراء الكواليس.

والسؤال الذي يدور في ذهني هو ألا يمكن للدول العربية أن تتبنى سياسة وتكتيكا فعليا مدروسا تستفيد منه باستغلال حاجة إسرائيل وأمريكا لما يريدان أن تحققه الصفقة، بدل أن نكون مجرد أدوات يستخدمها غيرنا لتحقيق مآربهم؟

— حمد بن جاسم بن جبر (@hamadjjalthani) February 9, 2020

ولا تزال العلاقة مع (إسرائيل) قضية شائكة بالنسبة للعديد من الدول العربية، وهو ما يفسر الموقف المرتبك لهذه الدول من صفقة القرن التي طرحتها الإدارة الأمريكية. وبحسب "بن جاسم"، فإن هناك دولا عربية "وعدت الجانب الأمريكي بأنها ستتخذ موقفا إيجابيا من الصفقة، لكنها لم تفعل، وبررت ذلك بالقول إنها لم تستطع بسبب الإعلام".

ووفق "بن جاسم"، فإن هذه الدول كانت تريد "التقرب من أمريكا... والتنصل من أعباء معارضة الصفقة أو رفضها، وتحميلها للدول الأخرى الرافضة".

لكن رئيس الوزراء القطري الأسبق وصف هكذا سياسة بأنها "قصيرة الأمد ومكشوفة للجانب الأمريكي"، وانتقد اتباع الدول العربية ما وصفها بـ "سياسة قائمة على التكتيك قصير المدى، بينما يضع الجانب الإسرائيلي سياساته على أسس استراتيجية طويلة المدى".

واقترح "بن جاسم" استغلال الدول العربية حاجة "ترامب" و"نتنياهو" لما سيترتب على إعلان الصفقة من زخم انتخابي مفيد لهما "بدل أن نكون مجرد أدوات يستخدمها غيرنا لتحقيق مآربهم" حسب تعبيره.



إقرأ المزيد