لماذا لا ترغب إمارة دبي في الحصول على مساعدات اقتصادية من أبوظبي؟
الخليج الجديد -

تتواتر التقارير الصحفية التي تشير إلى وجود خلافات بين إمارتي أبو ظبي ودبي بسبب الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها انتشار فيروس كورونا المستجد، وأدى إلى تسجيل الأخيرة أخطر ركود في تاريخها الحديث، بعد أزمة الديون التي شهدتها عام 2009.

وكانت وكالة "رويترز" قد كشفت مؤخرا عن وجود محادثات بين دبي وأبوظبي تقدم بموجبها إمارة العاصمة دعما ماليا لدبي أسوة بما حدث خلال أزمة الديون السالفة.

ورغم نفي السلطات في إمارة دبي لهذه التقارير، تشير تقارير أن تسريبات "رويترز" يمكن اعتبارها بالون اختبار أطلقته أبوظبي لجس نبض دبي حول حزمة المساعدات المالية الجديدة، لكن نفي دبي السريع والحاسم لهذه الأنباء كشف مخاوف الإمارة من قبول مساعدات مالية من أبو ظبي لتجاوز الأزمة الحالية؛ لأن ذلك من شأنه أن يجعلها أكثر تبعية ويضطرها لتقديم تنازلات سياسية.

لكن لماذا تخشى دبي من الثمن السياسي لتلقي الدعم من أبوظبي؟ تعود الإجابة إلى درس الماضي القريب، وتحديدا عام 2009، عندما ضربت الأزمة المالية العالمية الإمارة واضطرتها إلى قبول مساعدات أبوظبي مقابل "تنازلات قاسية"، بينها حصول أبوظبي على حصص استراتيجية في أصول دبي وتقليص استقلالها في السياسة الخارجية والجمارك وفرض المزيد من القوانين والإجراءات التقييدية على مصارفها.

وقد عززت هذه الحقبة بشكل ملحوظ من الهيمنة السياسية لإمارة أبوظبي على الاتحاد الإماراتي، وفي المقابل فإنها قلصت نفوذ دبي ومثلت تذكيرا دائما للإمارة أن المساعدات الاقتصادية غالبا ما تكون مصحوبة بثمن باهظ.

تباين سياسي

بخلاف ذلك، يأتي تفشي فيروس كورونا، والتداعيات الاقتصادية المصاحبة له، في وقت تتزايد فيه التباينات السياسية بين الإمارتين، خصوصا فيما يتعلق بالملف الإيراني، ذي التأثير المباشر على اقتصاد دبي، حيث تحتفظ الإمارة بعلاقات اقتصادية وثيقة مع طهران.

وتخشى دبي بوضوح من تطور الصدام بين الغرب وطهران إلى مواجهة عسكرية يمكن أن تعرضها لخطر كبير، وهو السيناريو الذي كاد أن يتحقق بعد استهداف الحوثيين لمنشآت شركة النفط السعودية العملاقة (أرامكو) في سبتمبر/أيلول الماضي، وبخلاف ذلك، لا يبدو أن إمارة دبي كانت راضية تماما عن سياسات العاصمة فيما يتعلق بالحرب في اليمن والحصار المفروض على قطر.

وللتباين السياسي بين الإمارتين جذور تعود إلى تاريخ علاقة العائلتين الحاكمتين "آل نهيان" في أبوظبي و"آل مكتوم" في دبي، والتي لم تخل من صراعات وحروب، حيث انفصلت دبي عام 1833 عن أبو ظبي ولجأت إلى الحماية البريطانية، كما نشب صراع مسلح بين الإمارتين في أربعينيات القرن الماضي.

وحتى بعد توحيد الإمارات، دارت منافسة هادئة بين أبوظبي ودبي، حيث مثلت الأخيرة نموذج التطور الاقتصادي الليبرالي وتحولت إلى مركز للسياحة والتجارة والأعمال في الشرق الأوسط، في حين لعبت الأولى دور العاصمة السياسية ذات الثروتها النفطية الهائلة، والمؤثرة في مصائر العديد من الدول في محيطها الإقليمي.

تقليص الاستقلال

ومن شأن تنامي نفوذ أبوظبي الاقتصادي في دبي أن يقلص من مساحة استقلال الأخيرة اقتصاديا، وهي المساحة التي تآكلت بالفعل منذ الإجراءات المصاحبة للأزمة المالية عام 2009، الأمر الذي يضر بقدرة باقي إمارات الاتحاد على "مراجعة" سياسات أبوظبي الإقليمية.

وكما تشير مصادر صحفية، فإن هناك حالة من عدم الرضا لدى عدد من شيوخ الإمارات إزاء الدعم الذي يقدمه ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" إلى الجنرال الليبي "خليفة حفتر" وإلى عدد من قيادات الجيش السوداني، ويعتبرون أن مصالح البلاد قد تتضرر جراء تدخل أبو ظبي في مناطق الأزمات، حسب تحليل نشره "ديفيد هيرست" بصحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية.

ويعزز من تلك الحالة إصرار "بن زايد" على سياساته، المكلفة سياسيا وماليا، في اليمن وليبيا والسودان، وأيضا في سوريا؛ حتى في ظل أزمة كورونا، وهو ما قد يمثل سلاحا ذي حدين لإمارة أبوظبي إذ قد يفضي إلى مزيد من هيمنة أبوظبي على اتحاد الإمارات أو إلى تعرض الاتحاد إلى التهديد، بحسب صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية.

ويشير "هيرست"، في هذا السياق، إلى أن أزمة مكتومة بين شيوخ الإمارات تتعلق بـ "التوزيع غير العادل للثروات"، والخلافات القديمة بين أبوظبي وباقي الإمارات حول هذا الأمر، خاصة في ظل تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد، إذ تمر الإمارات الأقل ثراء مثل عجمان والشارقة والفجيرة ورأس الخيمة بأزمة اقتصادية حادة، وهو ما من شأنه أن يهدد وحدة الاتحاد مستقبلا، حسب تقديره.

وعليه فإن خسائر دبي جراء أزمة كورونا تجعل الإمارة أمام خيارين أحلاهما مر، فإما مزيد من الغرق في الاستدانة الدولية أو قبول مساعدة جديدة من أبوظبي تفرط بها إمارة الأحلام الاقتصادية في جزء جديد من استقلاليتها.

فالإمارة التي تتمتع بواحد من أكثر الاقتصادات تنوعا بالخليج، يعتمد اقتصادها على قطاعات مثل الضيافة والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والعقارات والتجزئة، وتحظى فنادقها ومطاعمها بإشادة دولية، لكن ما يقرب من نصف تلك المطاعم والفنادق توقفت تماما عن العمل خلال الأزمة المالية، وفقا لاستطلاع أجرته غرفة "تجارة دبي"، شمل 1228 مديرا تنفيذيا نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي.

وسبق أن أكدت "كابيتال إيكونوميكس"، ومقرها لندن، أن دبي أكثر الاقتصادات في الشرق الأوسط وأفريقيا عرضة للأضرار الاقتصادية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، ما يعني أن الأسابيع المقبلة قد تكون مؤثرة في مستقبل اتحاد الإمارات السبع وموقع دبي داخله.



إقرأ المزيد