كيف وصلت السياسة الأمريكية في المنطقة إلى مرحلة السقوط الحر؟
الخليج الجديد -

دخلت السياسة الخارجية الأمريكية حالة السقوط الحر منذ فترة. وأظهرت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عددا من السياسات المرتجلة، بسبب الدوافع الخاطئة لرئيس مصدر قلقه الرئيسي هو الساحة السياسية المحلية، في حين يواجهه خصوم طموحون تتزايد قدرتهم على تشكيل الأحداث على المسرح العالمي ما يقوض نفوذ الولايات المتحدة.

ولا تعد محاولة الصين لتحقيق السيطرة السياسية والمالية الكاملة على هونج كونج سوى مثال واحد على قوة منافسة ليس لديها ما تخشاه من قبل الولايات المتحدة.

لكن اللافت للنظر في الوضع الحالي ليس تصرفات خصوم واشنطن، بل هي الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة نفسها في كسب التعاون والدعم من أصدقائها المفترضين.

وخذ بعين الاعتبار سياسة الولايات المتحدة تجاه دول الخليج. وبالرغم من أن البيت الأبيض يقول إن هدفه الأساسي هو مساعدة هذه الدول على مواجهة إيران، إلا أن جهوده لتحقيق هذا الهدف لم يتم تأطيرها بأي استراتيجية متماسكة.

علاوة على ذلك، كشفت أزمة فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" خطوط الصدع في السياسة الأمريكية، من خلال تسبب الجائحة في الصدمات الاقتصادية التي قلبت حسابات جميع اللاعبين الرئيسيين، وليس أقلها الولايات المتحدة.

وفي الواقع، تشير حملة البيت الأبيض الأخيرة ضد الرياض من أجل خفض إنتاج النفط إلى أن مخاوف الإدارة المفترضة بشأن الإجراءات الإيرانية أقل بكثير مقارنة بالآثار السياسية المحلية على "ترامب" جراء انهيار أسعار النفط.

وبعد ظهور الطبيعة المتقلبة للالتزامات الأمنية للبيت الأبيض، تملك كل من السعودية والإمارات أسبابا لتسريع خططهما للدفع نحو بنية اقتصادية وعسكرية أكثر تنوعا، مع البحث عن الدعم من دول أخرى، بما في ذلك الصين.

ومع ذلك، في المستقبل المنظور، لن يكون أمام قادة الخليج خيار سوى العمل مع رئيس أمريكي توفر سياسته الخارجية سببا لفقدان الثقة في أي نوع من العلاقات المثمرة مع الولايات المتحدة.

  • العلاقة الأمريكية السعودية في ظل "ترامب"

ولم يتردد "ترامب" أبدا في ذكر ما يعتبره الأساس الفعلي لعلاقات واشنطن مع دول الخليج. وأكد في خطاب ألقاه في أكتوبر/تشرين الأول 2018، أمام أنصاره في "ساوث هافن" بولاية مسيسيبي: "نحن نحمي المملكة العربية السعودية. إنهم أغنياء. وأنا أحب الملك سلمان. ولكن قلت له، أيها الملك نحن نحميك، وقد لا تبقى في الحكم لمدة أسبوعين بدوننا، وعليك أن تدفع مقابل الدفاع عنك".

وسواء كان ذلك صحيحا أم لا، يوضح هذا البيان أن "ترامب" ينظر إلى العلاقات الخارجية الأمريكية على أنها نظام مضاربة يوفر الحماية للعملاء الأضعف ويسحبها إذا تراجعت الفائدة أو شعر بعدم الرضا عن الصفقة.

وأشاد جمهور "ترامب" في المسيسيبي بتأكيده أن المملكة قد لا تكون قائمة بدون دعم أمريكي، وهو ما يسلط الضوء على النقاط السياسية المحلية التي سجلها "ترامب" من خلال الإصرار على أن الغرض النهائي للعلاقات الخارجية الأمريكية هو المال.

وقد نزل زعمه بأن "المملكة دولة ثرية للغاية، وسوف تمنح الولايات المتحدة بعضا من هذه الثروة، على أمل أن تكون في شكل وظائف"، كالموسيقى على آذان معجبيه.

وفي الفترة من 2105 إلى 2019، كانت السعودية بالفعل أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية. وكان استعداد الرياض لشراء 73% من أسلحتها من واشنطن قد ربط الولايات المتحدة والسعودية في عقدة سياسية وجيوستراتيجية ضيقة، بدت لوقت طويل وكأنها منيعة أمام أي محاولات لإرخائها أو حلها.

ومما يدل على هذه النقطة، أنه في منتصف عام 2019، أصدرت إدارة "ترامب" إعلانا بحالة الطوارئ للمضي قدما في بيع أسلحة بقيمة 8 مليارات دولار إلى السعودية والإمارات.

وتجاوز الإعلان حظر هذا البيع من قبل مجموعة من الديمقراطيين والجمهوريين من أعضاء الكونجرس الذين أثاروا تساؤلات حول تورط الرياض في قتل "جمال خاشقجي"، وكذلك الخسائر البشرية المتزايدة في الحرب في اليمن.

وأشار فيتو "ترامب" على إجراء مجلس النواب، وإعلان الطوارئ اللاحق، إلى استعداده لحماية العلاقة السعودية الأمريكية من التحديات المتزايدة القادمة من داخل الساحة السياسية المحلية أو من الخارج.

وتم تحفيز جهود "ترامب" بالطبع بسبب زيادة التوترات الأمريكية الإيرانية، التي بدت متجهة حرفيا للانفجار بعد هجوم مايو/أيار 2019 على 4 ناقلات نفط في فم الخليج، وبعد 4 أشهر عندما تم شن هجمات بطائرات بدون طيار على منشآت النفط في شرق السعودية هزت سوق النفط العالمية للحظات.

ولكن إذا كانت هذه الهجمات قد وفرت أساسا جيوستراتيجيا للدعم العسكري الأمريكي للسعودية والإمارات، فقد أشارت أيضا إلى أن إدارة "ترامب" لم تعرف بعد كيف ستتجنب تبعات سياسة "أقصى ضغط" على إيران.

ورحب زعماء الخليج بتأكيدات "ترامب" أنه يريد تجنب مواجهة عسكرية كبيرة مع إيران. ولكن بعد فشلها في صياغة بديل استراتيجي متماسك لخطة العمل الشاملة المشتركة، ولدت سياسة إدارة "ترامب" المشوشة حالة من عدم اليقين الحقيقي لدى أصدقاء واشنطن في الخليج.

ولم ينجح نشر 14 ألف جندي أمريكي في المنطقة في خريف 2019، إلى جانب سربين أمريكيين إضافيين وصواريخ "باتريوت" في السعودية، في فعل شيء كبير للتخفيف من هذا الشك.

وبدلا من ذلك، أكدت تصرفات الإدارة أنه طالما بقيت مبيعات النفط قوية، فإن السياسة الأمريكية في الخليج ستستند إلى الحسابات الاقتصادية والسياسية للقادة الأمريكيين والسعوديين والإماراتيين أكثر بكثير من أي رؤية استراتيجية مشتركة أعمق للمنطقة.

  • كورونا يقلب العلاقات الأمريكية الخليجية

وأدى الركود العالمي الناجم عن أزمة "كوفيد 19" إلى قلب العلاقات الأمريكية الخليجية بطرق لم يكن من الممكن أن يتخيلها سوى عدد قليل من القادة قبل بضعة أشهر فقط.

وفي الواقع، أدت أسعار النفط غير المستقرة إلى تعثر صناعة النفط في الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل البيت الأبيض متوترا.

ولكي نكون منصفين، كانت أسعار النفط تتراجع بالفعل قبل تفشي الجائحة في الولايات المتحدة. وأدى الخلاف السعودي الروسي حول أسعار النفط إلى تراجعها في أوائل مارس/آذار، ما دفع "ترامب" إلى تغريدة مفادها أن الأسعار المنخفضة "مفيدة للمستهلك".

لكن انهيار سوق النفط أدى إلى تقويض صناعة الطاقة الأمريكية القوية التي تبرعت بالملايين لحملة إعادة انتخابه. ومع اقتراب تكساس من دعم "جو بايدن"، يبدو أن "ترامب" بدأ في تحويل وجهات نظره حول التكاليف المحلية وفوائد انخفاض أسعار النفط.

وقد تحقق هذا التحول من خلال الضغط من وراء الكواليس من قبل رجال صناعة النفط. ودعم هذا الجهد أيضا 13 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، الذين قدموا، في مارس/آذار، تشريعا لسحب القوات الأمريكية وصواريخ "باتريوت" من السعودية ما لم تخفض إنتاج النفط.

وفي مكالمة هاتفية في 2 أبريل/نيسان مع "محمد بن سلمان"، قال "ترامب" لولي العهد إنه ما لم يخفض السعوديون الإنتاج، فلن يتمكن من إيقاف التشريع.

وبعد 10 أيام، أعلنت "أوبك" وروسيا ومنتجون رئيسيون آخرون للنفط أنهم سيخفضون الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميا، وهو رقم يعادل حوالي 10% من الإنتاج العالمي.

وادعى "ترامب" أنه صاحب الفضل في الاتفاق في تغريدة احتفت بدوره كوسيط للاتفاقية. ولم يكن من المستغرب أن يدعي وزير الطاقة السعودي، الأمير "عبد العزيز بن سلمان" نفس الادعاء لأخيه، مصرا على أن "محمد بن سلمان" كان في الواقع "مفيدا في صياغة الاتفاق".

وكان هذا الدفع المتوازي هو ما أدى اتفاقية أبريل/نيسان، التي أكدت رغبة كل من الرياض وواشنطن في احتواء الأضرار التي لحقت بالعلاقات السعودية الأمريكية.

ولكن يبدو أن اتفاق خفض الإنتاج لم يكن كافيا لمنع الإدارة من المضي قدما في خطط سحب بطاريتي "باتريوت" إلى جانب عدد من القوات الأمريكية و2 من الطائرات المقاتلة الأمريكية.

وفي حين ادعى البيت الأبيض أن "ترامب" أكد على "الشراكة الدفاعية الأمريكية السعودية القوية" في مكالمة هاتفية مع الملك "سلمان" في 8 مايو/أيار، غذى تخفيض عدد القوات الأمريكية في المملكة التكهنات في بعض دوائر السياسة الأمريكية بأن الإدارة كانت تتراجع عن جهودها لردع إيران.

وسعيا إلى إبعاد هذه الفكرة، أصر الممثل الأمريكي الخاص لإيران "بريان هوك" على أن "الولايات المتحدة تقف مع شركائها في المنطقة"، وأن الإدارة مصممة على مواصلة جهودها لردع "العدوان الإيراني".

  • المعادلة الإيرانية

ومن الصعب أن نفهم لماذا اتخذت الإدارة قرارا كان من شأنه أن يزعج أصدقاءها في الخليج. لكن الأمر الأكثر إرباكا هو حقيقة أن خطوة سحب صواريخ "باتريوت" جاءت بعد 3 أسابيع من اقتراب 11 سفينة بحرية تابعة لفيلق الحرس الثوري الإيراني من سفن البحرية الأمريكية ومضايقة خفر السواحل في مناورة في المياه الدولية في الخليج.

علاوة على ذلك، بعد أقل من 10 أيام، سمح مسؤولو الإدارة أن يُعرف أن البيت الأبيض كان يتبع خطة معقدة مصممة لكسب الدعم الدولي لمجموعة من الإجراءات المعقدة التي من شأنها أن تحد من مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران أو مبيعات إيران لأطراف ثالثة.

وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى أن الميزة الرئيسية لهذه الخطة هي أن تعلن الإدارة أنها لا تزال "مشاركا" في خطة العمل الشاملة المشتركة، بالرغم من أن "ترامب" رفض الاتفاقية وانسحب منها.

ولم تفشل الإدارة الأمريكية في إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل فشلت أيضا في منع طهران من الصمود ضد الضغوط الأمريكية عبر اتخاذ خطوات عكسية لتجديد تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز الحدود التي تسمح بها خطة العمل الشاملة المشتركة.

وبينما يبدو أن أفعالها مصممة لإنقاذ الاتفاق وليس إنهائه، فإن مناورة طهران المحفوفة بالمخاطر يمكن أن تعيد إيران عن غير قصد إلى المسار الخطير لبناء برنامج نووي كامل.

ويمكن لأي تحرك نحو هذا المنحدر الزلق أن يزيد من فرص مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية كبرى، أو على الأقل ترك واشنطن وحلفائها في الخليج يكافحون من أجل احتواء إيران.

وتثير سياسة "أقصى ضغط" قدر كبير من الارتباك الاستراتيجي، وهو ما لا يمكن أن يكون مطمئنا، خاصة بالنسبة للقادة العرب في الخليج، الذين رأوا مدى استعداد "ترامب" وحلفائه في الكونجرس لإجبار السعودية على التعاون بشأن أسعار النفط.

  • أحلام الخليج بالاكتفاء الذاتي

وتعليقا على جهود دول الخليج العربية للحصول على دعم عسكري ومالي من الصين، حذر مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى "ديفيد شينكر"، في 7 مايو/أيار، من أن "دول الخليج عليها أن تزن قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة".

وقال: "نريد من الدول الشريكة أن تبذل الاهتمام الواجب". وقد توسعت استثمارات الصين في السعودية والإمارات وحدها بإجمالي 62.55 مليار دولار بين 2009 و2018.

وبصفتها المشتري الرئيسي للنفط السعودي، حاولت الصين موازنة علاقاتها التجارية والعسكرية مع طهران من خلال تزويد الرياض بالمعدات العسكرية المتقدمة والتدريب.

وتشمل جهود بكين بناء مصنع بقيمة 65 مليار دولار في السعودية لتصنيع الطائرات الصينية بدون طيار من طراز "سي إتش-4". وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تم عقد تدريبات مشتركة بين القوات الخاصة الصينية والبحرية السعودية.

ولا تنذر هذه البرامج حتى الآن بتحول كبير عن الولايات المتحدة. ولكن بالنظر إلى الضغوط المالية العالمية غير المسبوقة التي أحدثتها أزمة "كوفيد-19"، والتوترات الدبلوماسية التي تلت ذلك بين واشنطن والرياض، فقد يكون لدى قادة الخليج أسباب لاستكشاف سبل توسيع صناعات الخليج الدفاعية المتواضعة.

وفي الواقع، جعل "بن سلمان" مثل هذا المشروع حجر الزاوية في خطته "رؤية 2030". لكن المشكلة هي أنه من المتوقع أن تظل أسعار النفط العالمية منخفضة حتى مع التخفيضات الأخيرة في الإنتاج، ما يحد من قدرة المملكة على متابعة خططها الاقتصادية.

وقد يخرّب الخلاف بين واشنطن والرياض عقودا طويلة من العلاقات الجيوسياسية التي ساعدت الولايات المتحدة على أن تكون فاعلا أساسيا في الشرق الأوسط.

ولكن، بالنسبة للمستقبل المنظور، لن يكون أمام دول الخليج خيار سوى الاعتماد على إدارة أمريكية يبدو أن قدرتها ورغبتها في إظهار القوة والتأثير في كل منطقة من مناطق الشرق الأوسط الساخنة منخفضة للغاية.



إقرأ المزيد