على الخليج أن يحذر من الديون الصينية الملغمة
الخليج الجديد -

سارعت الصين إلى مساعدة سريلانكا المنكوبة بفيروس كورونا التاجي، ولكن تتناقض الشهامة الصينية وسرعتها في الاستجابة لطلب جزيرة المحيط الهندي بشكل صارخ مع استجابة بكين المحسوبة أكثر لاحتياجات أفريقيا، والتي يُتوقع على نطاق واسع أن تكون البؤرة القادمة لانتشار الوباء.

سريلانكا مثال تحذيري

كانت الجغرافيا أحد أسباب تفضيل الصين للجزيرة الاستراتيجية التي تمتد على أحد طرق الشحن الأكثر ازدحامًا في المحيط الهندي.

وكانت الصين بذلك تكافئ سريلانكا على عرقلة المحادثات العسكرية مع الولايات المتحدة بعد عامين من اتهام جمهورية الصين الشعبية باتباع دبلوماسية فخ الديون، حيث منحت سريلانكا الصين في عام 2018 حصة أكبر بكثير في ميناء "هامبانتوتا" في لحظة كانت فيها غير قادرة على أداء ديونها لبكين.

وتباطأت سريلانكا حتى الآن في توقيع "اتفاقية وضع القوات" مع الولايات المتحدة، والتي ستنظم حقوق وامتيازات القوات العسكرية الأمريكية الزائرة.

جاء التعطيل بسبب رفض سريلانكا لشروط حزمة مساعدات التنمية المرتبطة بـ"اتفاقية تحدي الألفية" البالغة 480 مليون دولار أمريكي بحجة أنها تؤثر على الأمن القومي للبلاد.

في الوقت نفسه، لم تفعل سريلانكا أي شيء للطعن في "اتفاقية الاستحواذ والخدمات المشتركة" مع الولايات المتحدة التي تحكم نقل الإمدادات اللوجستية الأمريكية بالإضافة إلى خدمات الدعم والتزود بالوقود للعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة المحيط الهادي والهندي.

ويمكن أن يؤدي التباين في نهج الصين تجاه سريلانكا على عكس أفريقيا إلى إحياء الاتهامات بأن دبلوماسية الديون الملغمة، وهي سمة من سمات مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تساوي المليارات، والتي تسعى لربط الكتلة الأوراسية بالجمهورية الشعبية.

ومن الطبيعي أن يكون هناك استغراب من استعداد الصين لمنح سريلانكا قرضًا امتيازيًا مدته 10 سنوات بقيمة 500 مليون دولار أمريكي للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للوباء بالإضافة إلى تبرعات الإمدادات الطبية التي تقدمها الصين إلى بلدان في جميع أنحاء العالم.

خطر الديون الملغمة

هناك خطر يكمن في أن الدول في أفريقيا والشرق الأوسط مثل سوريا التي مزقتها الحرب ولبنان المفلسة مالياً التي لم تعد قادرة على الاعتماد على المساعدة من دول الخليج التي تعاني من مشاكل اقتصادية تخصها، قد تشعر أنه ليس لديها خيار سوى اتباع خطى سريلانكا.

لا يتغذى هذا الخطر فقط على صورة الولايات المتحدة الملطخة بالفعل، بل يزيد أيضَا بفضل قدرة الصين على الحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الشرق الأوسط دون الانغماس في الصراعات العديدة في المنطقة.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات صارخة بين دول المحيط الهندي ودول الشرق الأوسط التي تعتمد في بعض النواحي بشكل أكبر بكثير على مظلة الدفاع الأمريكية المصممة لحمايتها ضد إيران.

استفادت دول الشرق الأوسط مثل سريلانكا من التعاون المرتبط بالرعاية الصحية والوباء مع الصين، وخلافاً لسريلانكا، تواجه دول الخليج أزمة مالية ولكن ليس نقصاً فورياً في السيولة.

ومع ذلك، فإن خطر شعور بعض الدول بأن أمنها ورفاهها الاقتصادي سيُضمن بشكل أفضل من خلال تحقيق توازن أكبر في علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة، سيجعل هذه الدول ترغب في انخراط الصين في ترتيبات أمنية إقليمية بدرجة كانت تتجنبها بكين حتى الآن.

وتعزز الخطر بتطلعات الولايات المتحدة للحد من التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط وتركيز الانتباه على آسيا وصراعها مع الصين.

وبناء على تداعيات سياسة الصين تجاه سريلانكا، يتمثل الخطر على دول الخليج في أن تقوم الصين -بدلاً من الانغماس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- باختيار تقليل مشاركتها في الشرق الأوسط.

وعلى عكس التصورات الغربية عن توقع مشاركة اقتصادية صينية أكبر من أي وقت مضى، يجادل "شين تشون نيو"، مدير دراسات الشرق الأوسط في معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، التي تعد أكثر المراكز البحثية الصينية تأثيرًا، بأن العلاقات الاقتصادية بين الصين والشرق الأوسط قد تجاوزت ذروتها.

وأشار "نيو" أيضًا إلى أن الشرق الأوسط في مرتبة منخفضة في أولويات الصين.

وأضاف: "المنطق المحرك لعلاقة الصين بالشرق الأوسط ليس استراتيجيًا سياسيًا، بل منطق اقتصادي. بالنسبة للصين، فإن الشرق الأوسط دائمًا سيكون في مؤخرة الاستراتيجيات العالمية للصين، وسوف تغير جائحة الفيروس التاجي مع أزمة أسعار النفط الشرق الأوسط بشكل كبير. هذا بالتالي سيغير نموذج الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط. لقد ولت بالفعل الأزمنة المزدهرة للصين والشرق الأوسط، وتباطأ اقتصاد كل من الصين والشرق الأوسط. وسيجعل الوباء مترافقًا مع مشكلة أسعار النفط الوضع في الشرق الأوسط أسوأ. لذا، فإن العلاقات الاقتصادية الصينية مع الشرق الأوسط سوف تتأثر بعمق".

وفي ظل كون دول الخليج من بين أهم مشتري الأسلحة في العالم، ومواجهتها للحاجة إلى إصلاح اقتصادي أكثر حدة في أعقاب الوباء أكثر من العديد من الدول الأخرى، فإنها قد تجد إعادة موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى أكثر صعوبة من سريلانكا.

ومع ذلك، فإن نجاح السياسة الصينية تجاه سريلانكا هو أكثر من مجرد حادث معزول، حيث يقدم نظرة ثاقبة لما يمكن أن تعنيه سياسة صينية أكثر حزماً لتشكيل نظام عالمي جديد.

وقال "جيهان بيريرا" من مجلس السلام الوطني في سريلانكا: "عندما تنخرط الهند أو الغرب في شؤون سريلانكا، يكون هناك شك بشأن الدافع؛ فهل هو تقسيم البلاد؟ أم هل هو لاستغلالنا وإخضاعنا؟ لكن السريلانكيين ينظرون إلى الاستثمار الصيني على أنه حميد بشكل أساسي لأن الصين لم تكن قط عدوًا تاريخيًا لهذا البلد".



إقرأ المزيد