توتر طائفي جديد سببه مصادرة أموال الوقف السني في العراق
الخليج الجديد -

توتر طائفي جديد سببه مصادرة أموال الوقف السني في العراق

أزمة مرشحة للتفاقم مع إجماع سياسيي السنة ومشايخهم على معارضة الكاظمي في الموضوع.

قرر مجلس الوزراء بتوزيع الأوقاف وفق نسبة مشاركة الطوائف في انتخابات مجالس المحافظات!

القرار يعني استيلاء الوقف الشيعي على نسبة كبيرة من أملاك ومساجد وعقارات كانت في عهدة الوقف السني لقرون.

مأزق يحرج الكاظمي لأنه لا يريد الإخلال ببرنامجه الوطني البعيد عن الطائفية ولا يستطيع مجابهة الدولة الشيعية العميقة في هذا الملف.

*     *     *

يتعرض رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، لتحد جديد بعد اعتراضات نواب ورجال دين سنة على قرار مجلس الوزراء الأخير، القاضي بتوزيع الأوقاف وفق نسبة مشاركة الطوائف في انتخابات مجالس المحافظات!

وهذا يعني استيلاء الوقف الشيعي على نسبة كبيرة من أملاك ومساجد وعقارات، كانت في عهدة الوقف السني لقرون، وهو ما يهدد بإثارة موجة جديدة من التوتر الطائفي مجددا.

آخر مظاهر هذا المشهد، هو احتشاد المصلين في جامع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بالأعظمية، بما يملكه من رمزية سنية كبيرة، وردد المتظاهرون هتافات تدعو لتجنب الاستحواذ على الأوقاف السنية مرددين «ابتعدوا عن مال الله».

النائب أحمد الجبوري قال، إن هناك رفضا دينيا ومجتمعيا لاتفاق الفك والعزل للوقفين السني والشيعي، وطالب رئيس الوزراء الكاظمي بإلغاء الاتفاق، وتنصيب رئيس للوقف السني «وعدم الانتظار لقرارات المحاكم القضائية التي ستبت في ورقة الاتفاق المرفوضة».

أما النائب ظافر العاني فقال في رسالة وجهها للكاظمي إن «رؤساء الحكومات الذين جاءوا قبلك كانوا من أحزاب دينية مذهبية، ومع ذلك لم يتجرأوا على أموال الوقف السني، كما يحصل الآن، أدعو دولتك إلى وأد الفتنة بإلغاء قراركم سيئ الصيت، الذي يراد به الاستيلاء على أموال الوقف السني، بناء على نسبة مشاركة الطوائف في الانتخابات».

أما علماء السنة فقد أصدروا بيانات حادة اللهجة، مثل البيان الذي أصدره الشيخ عبد الملك السعدي، واعتبر القرار «استيلاء على أملاك الوقف السني ومخالفا لأحكام الشرع والقانون».

لكن ابرز الاعتراضات جاءت من الدكتور عبد السلام الكبيسي، عضو مجلس الأوقاف الأعلى، ونائب عميد كلية الإمام الأعظم في بغداد، والناطق السابق لهيئة علماء المسلمين، فقد قدم الكبيسي استقالته من المجلس الأعلى للأوقاف احتجاجا على هذا القرار، ما أنذر بتصعيد الأزمة، بما يملكه الشيخ الكبيسي من ثقل كبير.

ووصف قرار الكاظمي بـ«الاغتصاب السافر، والاستيلاء الحرام على أموال وعقارات وبساتين الصالحين، الذين حَبَّسوها لبيوت الله» حسب ما جاء في مجموعة رسائل نشرها الكبيسي، مؤرخا فيها تفاصيل الأزمة منذ عام 2019.

اللافت في الأزمة أنها عرضت مصداقية رئيس الوزراء الكاظمي للتشكيك مجددا، وأعادت للأذهان التساؤل حول قدرته على مواجهة النفوذ الإيراني، وسلطة رجال الدين الشيعة، ومؤسسة المرجعية الشيعية التقليدية في كواليس الحكومة.

وشن الناشطون من المناطق السنية هجوما على هذا الاتفاق، وراجت انباء نشرها مدونون مطلعون، عن أن أولى نتائج الاتفاق هي تنازل الوقف السني عن عدة جوامع كبرى في العراق للوقف الشيعي، أهمها: جامع النداء، جامع عبد القادر الكيلاني، جامع الرمادي الكبير، جامع الموصل الكبير، جامع أم القرى.

في المقابل، الكثير من الناشطين الشيعة أيدوا القرار، واعتبروه حلا للقضاء على الفساد المالي المستشري في الأوقاف، حسب تعبيرهم.

بعض المختصين أثاروا اسئلة حول تفاصيل القرار الجديد، ونشروا عدة انتقادات لحكومة الكاظمي تتضمن عدة نقاط، من أهمها التساؤل عن صلاحية حكومة الكاظمي بالتصدي لحسم مسألة أوقاف وزارة الأوقاف المنحلة، باعتبارها حكومة مشكلة للتجهيز للانتخابات فقط.

بينما حكومات سابقة لم تتجرأ على الخوض في هذا الملف وحسمه، رغم أنها كانت حكومات «كاملة الولاية» كما أثيرت مسألة عدم وجود رئيس وقف سني يحظى بتأييد المجمع الفقهي، فالرئيس الحالي الذي ناله النصيب الأوفر من الهجوم والاتهامات بالموالاة للحكومة، يتولى منصبه وكالة.

وجاء كذلك في الانتقادات للقرار، أنه حتى الوقف السني لا يملك الأهلية للتنازل عن أملاك وأوقاف الطائفة السنية، ولا حتى اللجنة العليا التي شكلها مجلس الوزراء للنظر في ملكية العقارات، حسب آلية التصويت، من دون إمكانية الطعن أمام القضاء، فكيف يستبعد القضاء من النظر بالمسألة؟

وبينما يتم استثناء المراقد والمقابر العامة، يعترض الدكتور الكبيسي على ذلك قائلا في إحدى رسائله، التي نشرها لتأريخ الأزمة منذ 2019، ويعبر فيها عن الموقف السني، اذ قال «الحجة الوقفية هي الأساس في إثبات جهة الملكية، بناء على أن شرط الواقف كنص الشارع».

ويشمل ذلك الأضرحة والمقابر، حيث يجري عليها ما يجري على أي وقف، إذا ثبت تضمنها شرط الواقف المثبت في الحجة الوقفية، وفي حالة عدم الوقوف على الحجة الوقفية يكون الترجيح باعتبار مذهب أكثرية المدفونين فيها ولا فرق في ذلك بين المقابر المندرسة وغير المندرسة، وأن كل مسجد أو جامع شيد على أرض وقفية تعود ملكيته إلى ديوان الوقف السني بغض النظر عن النسبة السكانية.

وأن المساجد التي تم إنشاؤها من قبل أي فرد من أهل السنة والجماعة، سواء أكان على أرض وقفية أو شراء من الدولة، فهو يعود إلى ديوان الوقف السني» كما يضيف الكبيسي ما يشير إلى اتفاقات تم إقرارها شفهيا في اجتماعات عدة، لكنها ذهبت أدراج الرياح كما يقول:

«ونوقشت وضعية المساجد الرئاسية، وتم الاتفاق على أن ما بني على أرض وقفية تكون لديوان الوقف السني وتحسب تكاليف البناء، مع الوضع بالحسبان ما صرف على الحضرة الحيدرية والحضرة الحسينية والعباسية والكاظمية، نسبة وتناسب ويشمل ذلك ما بني على أرض غير وقفية، كذلك كان الاتفاق بالرجوع إلى القضاء إذا ما برز أي خلاف في أي مرحلة من مراحل التفاوض».

وكذلك استخدم الكبيسي عبارات حادة تجاه القرار الحكومي واصفا إياه بـ«فتنة عمياء حمراء ليست في مصلحة السواد السني والشيعي». تعرض القرار الصادر من حكومة الكاظمي لانتقاد حاد ايضا من بيان الشيخ عبد الملك السعدي، متهما القرار بالدوافع الطائفية، لافتا لعبارة وردت في القرار الحكومي، التي تتحدث عن «فتاوى المرجعية العليا» الشيعية، معتبرا أن مسألة الوقف دينية فقهية سنية ولا علاقة لها بمواقف سياسية اخرى.

ويبدو ان هذه الأزمة مرشحة للتفاقم خصوصا مع إجماع سياسيي السنة ومشايخهم على معارضة الكاظمي في هذا الملف، وهو مأزق قد يجد الكاظمي نفسه محرجا أمامه، لانه لا يريد الإخلال ببرنامجه الوطني البعيد عن الطائفية، ولا يستطيع ايضا مجابهة الدولة الشيعية العميقة في ملف حساس كهذا.

* وائل عصام كاتب صحفي فلسطيني



إقرأ المزيد