فورين أفيرز: هكذا يسرع اقتحام الكونجرس الوصول إلى عالم ما بعد أمريكا
الخليج الجديد -

كان جوهر السياسة الخارجية لـ"ترامب" منذ البداية هو تعطيل الترتيبات والسياسات التي خدمت الولايات المتحدة بشكل جيد على مدار 3 أرباع القرن، فقد انسحب بشكل مفاجئ من الاتفاقيات والمنظمات القائمة منذ فترة طويلة، وهاجم الحلفاء وتبنى الحكام المستبدين وتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى عادته في الإعلان عن تغييرات السياسة على "تويتر". ومن شأن ذلك كله أن يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في نفوذ الولايات المتحدة، لصالح الصين وإيران وروسيا، كما أنه جاء على حساب الجهود العالمية لمعالجة تغير المناخ والأمراض المعدية والانتشار النووي والتهديدات السيبرانية.

لكن الضرر الذي تسببت فيه أحداث 6 يناير/كانون الثاني (الفوضى والعنف في مبنى الكونجرس الأمريكي ورفض ترامب وعشرات الأعضاء الجمهوريين في الكونجرس قبول نتائج الانتخابات) سيكون أكبر على السياسة الخارجية للولايات المتحدة وكذلك على الديمقراطية الأمريكية.

لقد انتقل "ترامب" بالولايات المتحدة من مرحلة "الاضطراب" إلى مرحلة "التدمير"، وما حدث الأسبوع الماضي كان فشلًا أمريكيًا واضحًا تتجاوز تبعاته حدود الولايات المتحدة، ما يعني أن عالم ما بعد أمريكا، أو العالم الذي لم يعد محددًا بأولويات الولايات المتحدة، سيأتي في وقت أقرب مما كان متوقعًا، ليس بسبب الصعود الحتمي للآخرين وإنما بسبب ما فعلته الولايات المتحدة بنفسها.

العالم كله يشاهد

لطالما أولى العالم اهتمامًا وثيقًا بالأحداث في الولايات المتحدة مثل حركة الحقوق المدنية واحتجاجات حرب فيتنام في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، و"ووترجيت"، والأزمة المالية لعام 2008، وأحداث شارلوتسفيل، ومقتل "جورج فلويد"، وفشل الولايات المتحدة في مواجهة جائحة "كورونا".

لكن حصار واحتلال مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني كان شيئًا مميزًا، حيث شاهد العالم رئيس الولايات المتحدة، إلى جانب العديد من مؤيديه والعناصر الداعمة في الكونجرس وفي جميع أنحاء البلاد، وهم يحرضون على العنف أو ينفذونه بهدف تقويض الديمقراطية الأمريكية. (كان هناك أيضًا فشل في تطبيق القانون، مما عزز الأسئلة حول كفاءة النظام الأمريكي، وهي الأسئلة التي أثارتها الاستجابة المعيبة لكورونا والهجوم الإلكتروني الروسي غير المكتشف).

وقد عززت الصور الشعور السائد بين الدول الديمقراطية الأخرى بأن هناك شيئًا خطيرًا في الولايات المتحدة، وتساءلوا كيف يمكن للعديد من الأمريكيين التصويت لزعيم هاجم - حتى قبل الأسبوع الماضي - مؤسسات قضائية وإعلامية مستقلة، ورفض أن يكون مثالًا قويًا في مواجهة جائحة مميتة للغاية، وانتهك العديد من أقدم الأعراف السياسية لبلاده؟

وتخشى هذه الدول أنه حتى بعد مغادرة "ترامب" المكتب البيضاوي، فإنه سيبقى مؤثرا على السياسة الأمريكية ومسيطرًا على الحزب الجمهوري لبعض الوقت في المستقبل. وهكذا فإن استعادة السلوك الأمريكي الأكثر تقليدية في ظل "جو بايدن" و"كمالا هاريس"، من وجهة نظر معظم حلفاء الولايات المتحدة، يمكن أن يجلب فقط فترة راحة محدودة ومؤقتة.

نتيجة لذلك، فإنه ليس لدى الحلفاء خيار سوى التشكيك في قرارهم السابق بربط أمنهم بالولايات المتحدة. وكانت هناك شكوك بالفعل قبل ذلك نتيجة لبعض الإجراءات خلال إدارة "أوباما" وإجراءات أكثر في عهد "ترامب" (مهاجمة الحلفاء، والتقرب من الديكتاتوريين، والتصرف بشكل أحادي وغير متوقع).

وتعني مثل هذه الشكوك ميلًا أكبر لدى الدول الأخرى لتجاهل طلبات الولايات المتحدة والإمساك بزمام الأمور السياسية، سواء كان ذلك من خلال تهدئة الجيران الأقوياء أو عن طريق بناء (واستخدام) قوتهم العسكرية. وهناك علامات واضحة على ذلك بالفعل في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا؛ مثل الحرب السعودية في اليمن، وتدخل تركيا في سوريا ودعمها لأذربيجان في ناجورنو كاراباخ، ومعاهدة الاستثمار للاتحاد الأوروبي مع الصين، والكتلة التجارية الإقليمية للشراكة الاقتصادية الشاملة في آسيا.

وستكون النتيجة عالمًا أكثر عنفًا وأقل انفتاحًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، تحتفظ فيه الولايات المتحدة بنفوذ مهم ولكنها لن تعود مهيمنة. وستضعف أعمال العنف في الكابيتول على وجه الخصوص قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون. ولك أن تتخيل صيحات الاتهام بالنفاق في المرة القادمة التي تلقي فيها واشنطن محاضرة عن الديموقراطية أو تفرض عقوبات على حكومة أخرى بسبب سلوكها.

وبالفعل، شمتت الأنظمة الاستبدادية مثل الصين في الولايات المتحدة بحجة أن مشاهد الأسبوع الماضي أثبتت تفوق نموذجها ونفاق المسؤولين الأمريكيين عندما ينتقدون حملة القمع في هونج كونج أو القمع في شينجيانغ. وبالمثل، فإن الحجج ضد انتشار الأسلحة النووية على أساس أن البلدان الأخرى ليست مستقرة أو مسؤولة بما فيه الكفاية ستبدو فارغة عندما يبدو أن القائد العام للقوة النووية الأكبر في العالم يفتقر إلى تلك الصفات.

عالم ما بعد أمريكا

من الأسهل هدم سمعة البلدان بدلاً من بنائها، ومع ذلك، فمن الضروري القيام بكل ما هو ممكن لإبطال الضرر، من أجل كل من الولايات المتحدة وبقية العالم. وحتى في عالم ما بعد أمريكا، تظل قوة الولايات المتحدة ونفوذها جوهريين، وتكاد تنعدم احتمالات بناء نظام دولي مستقر ومنفتح وفعال دون مساهمة أمريكية كبيرة.

ومن المهم أن يكون لدى أمريكا بعض الوعي الذاتي، فالولايات المتحدة ليست فريدة من نوعها كما يعتقد الكثير من الأمريكيين، وما حدث يجب أن يضع حداً لمفهوم الاستثناء الأمريكي. وسيكون من الحكمة أن تقوم إدارة "بايدن" القادمة بتعليق الخطط المعلنة لعقد اجتماع للدول الديموقراطية في العالم إلى أن يصبح الداخل الأمريكي في وضع أفضل.

وسيتطلب ذلك اتخاذ بعض الخطوات المباشرة، مثل إطلاق هيئة على غرار لجنة 11 سبتمبر/أيلول للتحقيق في كيفية ترك مبنى الكابيتول عرضة لتهديد معروف جيدًا، وتقديم توصيات لإصلاح الثغرات الأمنية. ومن الضروري أيضًا تقديم أكبر عدد ممكن من الأشخاص المتورطين في أعمال غير قانونية إلى العدالة، وذلك لتوضيح أن مثل هذا السلوك له عواقب وإرسال رسالة إلى العالم بأن هذا الانهيار في القانون والنظام لن يُسمح له بأن يصبح حالة دائمة .

لكن الكثير مما هو ضروري يتطلب جهودًا طويلة المدى، ويجب أن تعالج الدولة عدم المساواة في الدخل والوصول إلى التعليم والفرص الأخرى؛ والتي تؤدي إلى إحباط عام وتغذي الشعبوية والراديكالية من اليسار واليمين.

وتتمثل إحدى التحديات المهمة في توجه الحزب الجمهوري، إذ لا يمكن للديمقراطية الأمريكية أن تنجح إذا رفض أحد أحزابها الرئيسية فكرة المعارضة الموالية للدولة وعرّف نفسه فقط من حيث ما يمكنه منعه، وليس ما يمكنه فعله.

ويمكن أن تساعد بعض التغييرات الإجرائية التي تقلل من التلاعب في الدوائر الانتخابية، إما من خلال الإجراءات القضائية أو من خلال عمل اللجان المكونة من الحزبين لإعادة ترسيم دوائر الكونجرس. لكن في نهاية المطاف، سيكون الأمر متروكًا للناخبين، وسيتعين عليهم أن يقرروا ما إذا كان أولئك الذين مكنوا "ترامب" يستحقون دعمهم مستقبلًا.

ويتعين على الجمهوريين أن يقرروا ما إذا كان حزبهم سيكون أكثر تحفظًا أم أكثر راديكالية (وإذا اختارت الأغلبية الخيار الأخير، فسيتعين على المحافظين أن يقرروا ما إذا كانوا سينسحبون ويشكلون حزبًا جديدًا). كما إن الطريقة التي يمارس بها الديموقراطيون سيطرتهم الحالية على الفرع التنفيذي وكلا مجلسي الكونجرس - سواء كان يُنظر إليهم على أنهم يحكمون من الوسط أو اليسار - سيكون لها أيضًا تأثير كبير.

ويتطلب تغيير الثقافة السياسية الأمريكية أجندة طموحة وواسعة النطاق، ويستلزم ذلك مواجهة العناصر الخبيثة في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تميل إلى دفع الناس إلى الاستماع للأصوات والمعلومات التي تتوافق مع آرائهم الخاصة. كما يتطلب إعادة الاستثمار في التربية المدنية وإعادة النظر في مفهوم الخدمة الوطنية.

في نهاية المطاف، نجد أن العديد من أهم التغييرات لا يمكن فرضها أو تشريعها، والأمر يتعلق بالشخصية. قد تعتبر الولايات المتحدة نفسها أمة قوانين، لكن القوانين لا يمكن أن تفرض أو تحظر كل شيء. فيما تعتبر القواعد هي الدعامة الأساسية للديمقراطية، وتشجع أصحاب القوة على فعل الصواب بدلاً من مجرد الامتناع عن فعل ما هو غير قانوني، لكن "دونالد ترامب" كان منتهكًا دائمًا للقواعد.

وقد يكون الكونجرس قادرًا على معالجة بعض أكثر ممارساته فظاعة من خلال التغييرات في القانون، ويمكن لإدارة "بايدن" المساعدة من خلال العمل مع الكونجرس للتراجع عن بعض الامتيازات الرئاسية، ولكن في النهاية، يبقى الأمر الأكثر أهمية هو الطريقة التي يتصرف بها قادة الأمة والمواطنون.

سيظل يوم 6 يناير/كانون الثاني عارًا، ولكن يمكننا أن نأمل أنه سيقدم صدمة مفيدة لكتلة السياسيين، لكن الأزمات لا تؤدي دائمًا إلى التغيير المطلوب. وعلى الولايات المتحدة أن تتأمل في التاريخ، حيث كانت صدمة الكساد الكبير هي التي حفزت "الصفقة الجديدة"، وصدمة "بيرل هاربور" هي التي أنهت الانعزالية الأمريكية.

وإذا أدى 6 يناير/كانون الثاني إلى البحث عن الذات والإصلاح الداخلي، فيمكن للولايات المتحدة أن تبدأ في استعادة القوة الناعمة والصلبة التي ستحتاجها للمساعدة في إدارة تنافس القوى العظمى ومواجهة التحديات العالمية.  وفي كل الأحوال، لن تهيمن الولايات المتحدة على عالم ما بعد أمريكا، لكن هذا لا يعني أنه يجب أن تقوده الصين أو تحدده الفوضى.



إقرأ المزيد