الذكاء الاصطناعي.. وتحديات نقص العمالة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

  هناك مصدران رئيسان للقلق يتعلقان بالتطور السريع بمجال الذكاء الاصطناعي. يتمثل الأول في أنه سيؤدي إلى سيطرة الروبوتات، التي ستقضي على البشرية، بينما يكمن الثاني في أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على العديد من الوظائف، والسيناريو الأكثر ترجيحاً، هو أنه سيخلق نقصاً في العمالة، أو على الأقل ندرة في العمالة الماهرة القادرة على تحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا الجديدة.
ويرى خبراء أكاديميون في مجال المعلوماتية العقبة الأكبر، تكمن في أن العديد من الطلاب لا يملكون المهارات الرياضية اللازمة لعالم يُهيمن فيه الذكاء الاصطناعي على حياتنا، لاسيما أولئك الذين لا يخططون للتخصص في هذا المجال.
ولكن ماذا عن الأشخاص الذين يخططون للعمل في مجال الذكاء الاصطناعي؟ لطالما جعلت التكنولوجيا العمل البشري أكثر قيمة، لأنها تتيح للعمال أن يصبحوا أكثر إنتاجية، إلا أن المخاوف تكمن فيما إذا كان الأفراد سيستخدمون الذكاء الاصطناعي للتفكير نيابة عنهم، ما سيجعلهم دون جدوى. وقد ينطبق هذا على بعضهم، لكن استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مثمرة يتضمن توظيفه لتطوير أفكار جديدة، وهذا يتطلب على الأقل بعض التدخل البشري.
فمثلاً، تعمل نماذج اللغة الكبرى عبر جمع كميات هائلة من البيانات ليس للإجابة عن سؤال فحسب، بل لإيجاد الإجابة الأكثر شيوعاً أو المتوسطة. ورغم أن ذلك قد يكون كافياً، فإن ما يميّز الأشخاص في بيئة العمل هو التوصل إلى إجابة استثنائية. ويمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتك في ذلك، لكنه نادراً ما يكون كافياً بمفرده، بل يتطلب القدرة على تقييم النتائج وتحسينها أيضاً. وغالباً تكون إجابة الذكاء الاصطناعي غير كافية لافتقارها إلى السياق الذي يجعل موقفاً معيناً فريداً.
لنفترض أنك تحاول الحصول على إحصائية بسيطة من بيانات ضخمة، لا يكفي أن يمنحك النظام إحصائية ما على الفور، بل عليك فهم حدود البيانات التي يعمل عليها النموذج، أي مصدرها وتوقيتها، ومدى صلتها بمشكلتك، وماهية المواصفات التي استخدمتها التكنولوجيا لتوفير الإحصائية. كما يتطلب فهم النتائج مهارات إحصائية وتحليلية جيدة.

وفي عصرنا الحالي، نشهد انهياراً في المعايير، مع تراجع قدرة بعض الطلاب على حلّ حتى أبسط مسائل الرياضيات في أفضل الجامعات والمدارس الثانوية الأميركية. وربما لا يحتاج سوى عدد ضئيل من طلاب جامعة هارفارد إلى دروس تقوية في الرياضيات، لكن مجرد وجود تلك النسبة في جامعة مثلها يُشير إلى تراجع المعايير بشكل عام، ليس في الرياضيات فحسب، بل في مهارات القراءة أيضاً. وحتى الطلاب المتميزون لم يعودوا يتلقون تدريباً قوياً وعميقاً على مهارات التفكير النقدي، خلال هذه المرحلة الحاسمة من حياتهم وتطور أدمغتهم.

ولا يدرك العديد من الأكاديميين كيفية تعليم الطلاب المهارات اللازمة ليشقوا طريقهم بنجاح في عالم الذكاء الاصطناعي، الذي يلغي العديد من الوظائف المبتدئة. وفي ظل تحول اقتصادي هائل، يستحيل معرفة شكل مستقبل العمل، إلا أن أحد الحلول المحتملة قد يكون بسيطاً مثل تدريس الأساسيات بشكل متقن، وتطبيق معايير ثابتة، ومنح درجات حقيقية.
ويخاطر اتخاذ مسار مختلف بالدخول في حلقة مفرغة، حيث لا يستطيع الخريجون الجدد تطوير مجال الذكاء الاصطناعي، لأنهم يفتقرون إلى المهارات اللازمة للعمل معه، وبالتالي لا يستحقون التوظيف. وقد ينتهي هذا السيناريو بأسوأ الاحتمالات، حيث نجد خريجين عاطلين عن العمل، وأصحاب عمل عاجزين عن إيجاد عددٍ كافٍ من العمال القادرين على استخدام التكنولوجيا الجديدة بفعالية.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، هناك خطر إضافي مرتبط بالهجرة. فكثير من الطلاب الأجانب يمتلكون مهارات كمية أفضل من نظرائهم الأميركيين، إلا أن نظام الهجرة القانونية والعمالة الماهرة معطل. وحتى الرئيس ترامب، المعروف بتشككه في الهجرة، يعترف بأننا بحاجة إلى مزيد من العمال المهرة القادرين على ابتكار التكنولوجيا واستخدامها، لكن سيأتي غالبيتهم من الخارج. غير أن إصلاح الهجرة الدائم لا يمكن أن يصدر عبر أمر تنفيذي، بل يتطلب توافقاً بين الكونجرس والحزبين بشأن أولويات الهجرة، وهو أمر غير وارد حالياً.والنتيجة أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة لمواجهة تفاوت كبير في المهارات وقلة المفكرين التحليليين ذوي القدرات الرياضية القوية المتمكنين من استخدام الذكاء الاصطناعي والتكيف مع تطوره. ولا يُنتج نظام التعليم ولا نظام الهجرة الأميركيين ما يكفي من هؤلاء الأشخاص. وقد تكون النتيجة كثرة الخريجين العاطلين عن العمل ونقصاً هائلاً في العمالة.
* كاتبة متخصّصة في الشؤون الاقتصادية، زميلة بارزة بمعهد مانهاتن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد