جريدة الإتحاد - 1/23/2026 12:26:58 AM - GMT (+4 )
مفهوم المقام مفهوم قرآني أصبح مصطلحاً عند السّادة الصوفية، وهم يتحدثون عن أعمال القلوب وأحوالها المستقرة، وهي منازل يكسبونها بالمجاهدة في سيرهم إلى الله، ويثبتون عليها في مرحلة من مراحل هذا السير قبل أن ينتقلوا إلى مقام آخر، وصولاً إلى «المقام الكريم» أعلى المقامات. ومن أجمل الكتب في هذا السياق كتاب «محاسن المجالس» لابن العريف. أما مفهوم التغافل فهو مفهوم أخلاقي عربي قديم، ترجمه قول قائلهم «إنما سيد القوم المتغافل»، حتى قال سفيان الثوري «ما زال التغافل من شيم الكرام»، فما هو التغافل؟ وبأي معنى يكون التغافل مقاماً، رغم أن الصوفية لم يجعلوه كذلك، وما قيمة التّغافل في حياتنا اليومية؟
التغافل هو هيئة في النفس يصدر عنها فعل تجاهل أفعال الآخرين، التي تصدر عن الحمية الغضبية، أو تصدر عن شهوة تُخلُّ بالفضيلة العملية، والتّغابي عنها، لأغراض سامية ومطالب عالية يطلبها المتغافل وينشدها.
وليس التغافل بالخُلق الهين السهل، إنما هو خُلق يتطلب صبراً ومصابرة من أجل التّحقق به، وليس من السهل الثّبات عليه، إنما هو حال يتردد عند الإنسان ولا يثبت عنده إلا بالتعود والتكرار، حال المقامات التي عدّها الصوفية في مصنّفاتهم.
وقد كتب الكثيرون عن التغافل وجعلوه عصب الحياة الأخلاقية التواصلية، لما تعج به الحياة من دوافع إنسانية جامحة، تصدر عنها سلوكات تندّ عن المنطق، وتتجاوز العرف مع النّفس، أو في العلاقات الإنسانية، التي يفترض فيها أن تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف لحق الآخر في الوجود، وحريته في التصرف، وجعل حبال الاستشارة موصولة باستمرار لتجاوز الفُهوم السّيّئة والظّنون القاصمة. إذ لا حياة طيبة تقوم على التّدقيق في كل شيء، ولا علاقات إنسانية منتجة وفاعلة تقوم على تتبع الهنات وتقصي الأخطاء واستقصاء العثرات والتّلصّص على العورات.
ينتمي مفهوم التغافل إلى حقل دلالي يصله بالتسامح، والمروءة، والتجاهل، والتغابي، والمداراة، والسعادة، والذكاء، والحكمة، فمن المروءة التغافل عن عثرات الآخرين، وزلات الأخوة، بل إنه من سعادة الفرد أن يتعلم فن التغافل، وليس الذكي سوى الفطن المتغافل.
وقد يظهر التغافل تغابياً أو غفلة في الظاهر، وهو في حقيقته سلوك مقصود، مُضمَّخ بفضيلة التّسامح، لنزع شرارة قد يكون لعدم إطفائها أوخم العواقب. وكما قال الشاعر: ومعظم النار من مستصغر الشرر، فالتغافل يطفئ الشر المستطير من العداوات والكراهية، والجهالات والتعصب، والعدوانيات والعنف. وهذا منتهى درجات الحكمة في التعامل بين الناس.والغريب أن لابن رشد ملحظاً جميلاً في هذا المعنى عندما يدعو إلى التغافل عن أخطاء العلماء وعذرهم فيما لحق به والتنبيه إلى ذلك، كما أن من التّقاليد العلمية التي أرساها بعض أهل الفضل التغافل عن ذكر اسم العالم عند انتقاد فكره، حيث يُنتقد الفكر ويُتغافل عن ذكر اسم صاحبه تورعاً، وتقديراً.
تكمن قيمة التغافل في أنه لا يوسع الرّتق على الفتق، بل يُرْتقُ الفتق بتغافل ذكي يحفظ الودّ ويترك حبل العوْد ممدوداً، ولا يقطعه، إنها شعرة معاوية الخالدة، التي ظلّت رمزاً على هذا الخيط الرفيع بين المتدابرين الذي لا يفصم العلاقة فصماً ويُبقي للمصالحة موئلاً، ويحافظ على الهدوء والصّمود في وجه التحدّيات، وقد جعل البعض مقام التغافل تسعة أعشار حُسن الخلق. ولا يتحلى بهذا المقام إلا حكيمٌ في نفسه، عالمٌ بعواقب الأمور في غيره، وينشد الخواتيم الحسنة في كل أمر يصدر عنه. وإنه لمقام كريم لا يدركه إلا أولو العزم من أهل المروءة والفضل الذين يظهرون الأدب واللباقة في أصعب الظروف.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


