جريدة الإتحاد - 1/23/2026 11:44:00 PM - GMT (+4 )
يواجه مشروع القانون اللبناني، المعروف باسم «الفجوة المالية»، صعوباتٍ معقدةً في إقراره من قبل مجلس النواب، نتيجةَ الانقسام السياسي الكبير حوله، والذي قد يؤدي إلى إسقاطه، خصوصاً لجهة «تبرئة الدولة اللبنانية» بعدم إلزامها بدفع الديون المتوجبة عليها، والبالغة نحو 83 مليار دولار، وتحويلها إلى خسائر لمصرف لبنان (المركزي). وهذا مع الإشارة إلى أنه بموجب المادة 113 من قانون النقد والتسليف، فالدولة اللبنانية ملزمة بتغطية خسائر «المركزي»، وإعادة رسملته.
وتبرز أهمية «تبرئة الدولة»، كشرط رئيسي من شروط صندوق النقد الدولي، مع الأخذ بالاعتبار مدى قدرة الخزينة العامة على دفع أقساط القروض من مواردها، وليس بالاقتراض الذي من شأنه أن يراكم الدينَ مجدداً.
وهذا ما كان يحصل خلال السنوات الماضية، حيث تكونت «الفجوة المالية»، نتيجة العجز المستمر في الموازنة، والذي كان يتم تسديده عن طريق مصرف لبنان، والذي بدوره كان يقترض من المصارف التجارية أموالَ المودعين التي تم «هدرها» بالإنفاق المالي المتزايد.
ولذلك رفض حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، الموافقةَ على تحمل خسائر «الفجوة المالية» التي يجب أن تتحملها الدولة، وقرر فتح هذا الملف بشكل واسع واللجوء إلى القضاء اللبناني والتعاون مع القضاء الفرنسي لإجلاء الحقيقة، وتحديد المسؤولين عن الهدر المالي ومحاكمتهم. وتستهدف الإجراءات القانونية التي اتخذها الحاكم كريم سعيد، بدعم من رئيس الجمهورية، جوزيف عون، لمكافحة الفساد والمفسدين، «أي شخص طبيعي أو معنوي، ثبت أنه اختلس، أو أساء استعمال، أو بدد أموال مصرف لبنان، أو ساعد أو سهّل ذلك، بما يخالف واجباته القانونية أو المهنية. والقاسم المشترك بين هذه القضايا كافة، هو كونها تصرفاتٍ أدت إلى استنزاف موجودات مصرف لبنان وتآكلها».
أما الهدف من هذه الإجراءات، فهو من جهة أولى، استرداد الأموال التي جرى استخدامها أو تحويلها بصورة غير مشروعة. ومن جهة ثانية، تثبيت وتأكيد الحق القانوني لمصرف لبنان (المركزي) في جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة، بأي وسيلة أوصيغة كانت، وذلك حتى نهاية عام 2023، أي طوال ولاية الحاكم السابق رياض سلامة.
وقد اعتبر سعيد أن هذا المسار المزدوج يهدف حصراً إلى استعادة الأصول وتوفير السيولة اللازمة لسداد حقوق المودعين. وتتمحور شكوى مصرف لبنان أمام القضاء المختص، حول استخدام أمواله بطريقة تخالف أحكام قانون النقد والتسليف وتشكل إخلالاً بالواجبات المترتبة على الأشخاص المسؤولين، وتؤدي حتماً ومع سابق تصور وتصميم إلى تحقيق إثراء غير مشروع. كذلك تُظهر الوقائعُ والأدلةُ أن هؤلاء الأشخاص كانوا على علم بالآليات المعتمدة، والأهداف المرجوة، وبالنتائج المتحققة، لاسيما استغلال موارد مصرف لبنان، لتحقيق منافع خاصة فقط. كما تشير هذه الوقائع بشكل واضح إلى شبهات تبييض أموال.
وخلافاً لمفهوم استقلالية البنوك المركزية، وتحريرها من الضغوط السياسية، فإن أحد جوانب الكارثة التي حلت بالاقتصاد اللبناني، ناتج عن تساهل «السياسة النقدية» إلى حدود تمويل مصرف لبنان للإنفاق العام، خصوصاً على برامج الدعم التي فرضتها الحكومة، والمدفوعات لدعم الطاقة والمياه ومؤسسة الكهرباء، والمبالغ الإضافية التي دفعها أو أسلفها مصرف لبنان إلى الدولة اللبنانية، والمقدرة بنحو 50 مليار دولار، وهي ديون مترتبة على الدولة نفسها، ويطالبها «المركزي» بتسديدها. ويبدو أن المؤشرات ترجح تأييد الأكثرية النيابية لهذا الطلب، مما يعرقل المفاوضات مع صندوق النقد.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


