جريدة الإتحاد - 1/23/2026 11:53:21 PM - GMT (+4 )
يرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه تعرّض لهجوم من وسائل الإعلام والكونجرس وأجهزة إنفاذ القانون لم يسبق له مثيل في تاريخ الرؤساء. وفي الوقت نفسه، يتباهى بأنه نجح في تحسين الاقتصاد وجعل مدننا أكثر أماناً من أي وقت مضى. كل هذا مثار تساؤل وموضع جدل.
ترامب لديه طاقم من الموظفين في البيت الأبيض ووزراء لا يكتفون بإغداق الثناء عليه بل يدعمون أيضاً إسكات من يصفهم بالمنتقدين.
هنا يكمُن الفرق الجوهري بين ولايتي الرئيس ترامب الأولى والثانية. ففي الأولى، كان بعض كبار مساعديه ووزرائه بمثابة رقيب على سلوكه، وقد أُقيل العديد منهم أو تم استبدالهم. أما في ولايته الثانية، فقد بدأ بخطة مُفصّلة لإصلاح الحكومة، وبقيادة عليا أكثر امتثالاً (على سبيل المثال، أصبحت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي على استعداد لإصدار أوامر بالتحقيق مع منتقديه).
وقد أدى هذا المزيج من السلطة، ورغبة الرئيس في تحقيق كل طموحاته إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة ويمكن رفضها من الناحية القانونية. ففي الأشهر الأولى من ولايته، وضعت إدارته برنامجا لتسريح أكثر من 300 ألف موظف حكومي. كما أغلق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وإذاعة صوت أميركا، ومعهد الولايات المتحدة للسلام - وكلها إجراءات غير مسبوقة، إذ إن هذه المؤسسات أنشئت ومُوّلت من قبل الكونجرس. ثم أعاد لاحقاً افتتاح «معهد السلام» تحت اسم «معهد ترامب للسلام»، وأعاد تسمية المركز الفني الأبرز في البلاد ليصبح «مركز دونالد جيه ترامب، مركز جون إف كينيدي للفنون الأدائية» من دون أي تفويض، وأمر بهدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض ليُستبدل بمشروع آخر -قاعة رقص ضخمة- والتي لا شك أنها ستحمل اسمه أيضاً في المستقبل القريب.
ولعلّ أخطر تحركات الرئيس ترامب هي التوسع الهائل في عمل إدارة الهجرة والجمارك -وهي جهة إنفاذ قوانين الهجرة- وإطلاق يدها في المدن الأميركية، بما يشكل تهديداً مباشراً للقيم التي تتضمنها الديمقراطية الأميركية.
ففي الأسابيع الأخيرة، أرسل ترامب قوة كبيرة من عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية إلى مينيابوليس، مينيسوتا، ظاهرياً للقضاء على المهاجرين غير الشرعيين، في محاولة لإحراج حاكم الولاية «الديمقراطي» واستهداف إحدى المناطق المفضلة لدى ترامب، وهي الجالية الصومالية الكبيرة في مينيسوتا. وكما كان متوقعاً، كانت اعتقالات إدارة الهجرة والجمارك عشوائية، حيث احتجزت العديد من المقيمين الشرعيين والمواطنين، وكان سلوكهم وحشياً بشكل غير مقبول. وكما رأينا في مدن أخرى، أثارت تصرفات إدارة الهجرة والجمارك احتجاجات واسعة النطاق. وفي حادثة مروعة، أُطلق النار على أحد أعضاء فريق يراقب سلوك إدارة الهجرة والجمارك من نافذة سيارة مفتوحة، ما أدى إلى مقتله.
وقد تم تصوير إطلاق النار من زوايا متعددة، مما أثبت أن الضحية لم تشكّل أي تهديد لعنصر إدارة الهجرة والجمارك. لكن ذلك لم يمنع مسؤولين آخرين في الإدارة من نشر معلومات غير دقيقة حول ما حدث. فقد وصفوا المرأة المقتولة بالإرهابية المحلية، زاعمين أنها هددت حياة عنصر من عناصر إدارة الهجرة والجمارك. إن كشف ملابسات هذه الجريمة له دلالات مهمة على مستويات عديدة.
أولا، ومع الميزانية الضخمة المخصّصة لتوسيع نطاق إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، بات لدى هذه الإدارة أكثر من 10000 عنصر مسلح. وقد أدى هذا النمو السريع إلى قصور في عمليات التدقيق والتدريب. والأخطر من ذلك هو أسلوب تجنيد عناصر إدارة الهجرة والجمارك: في معارض الأسلحة وفعاليات اليمين المتشدد، وعبر إعلانات موجهة في برامج إذاعية يمينية. ويبدو أن البيت الأبيض بصدد تشكيل قوة شرطة وطنية متماسكة أيديولوجيا، معادية للمهاجرين وميالة للعنف، وقد أُبلغت من قبل الإدارة بأنها تستطيع التصرف دون عقاب.
وتُشير هذه الحادثة أيضاً خطورة اختلاق رواية تُرددها قيادات أخرى ووسائل إعلام موالية للإدارة الأميركية. والأثر واضح. فقد أظهر استطلاع رأي حديث أن غالبية الأميركيين، بفارق كبير، يعتقدون أن قتل المرأة كان خطأً، لكن أكثر من ثلاثة أرباع «الجمهوريين» يُصدقون رواية الرئيس بأن المرأة المقتولة كانت تُشكّل تهديداً لعنصر إدارة الهجرة والجمارك، وأن قتلها كان مُبرراً.فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ الجواب واضح: رئيس يقول كل ما يلزم لتبرير موقفه، ومسؤولون من حوله ووسائل إعلام موالية تُؤيده بشدة، وحركة حزبية مُتعصبة تُصدق كل ما يُقال لها حتى وإن كانت الحقائق تُشير إلى عكس ذلك.
*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن
إقرأ المزيد


