الذكاء الاصطناعي.. وفك شفرة الجينوم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حققت شركة «جوجل ديب مايند»، التابعة لشركة «ألفابت» والمتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، قفزة نوعية أخرى في جهودها لفهم البيولوجيا البشرية، وذلك من خلال التقدم نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لتفسير العديد من فصول الحياة التي لا تزال غامضة. لقد أصبح تسلسل الحمض النووي (DNA)، الذي كان في السابق إنجازاً هائلاً، رخيصاً وسهلاً الآن.

إلا أن فك شفرة مليارات الأحرف في هذا الحمض النووي أمرٌ مختلف تماماً، لا سيما عند محاولة فهم أي من الأخطاء أو الاختلالات العديدة الموجودة بشكل طبيعي غير ضارة، وأيّها مرتبط بالمرض. هنا يأتي دور منصة «ألفا جينوم» AlphaGenome من شركة «ديب مايند»، وهي منصة، كما هو موضح في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» هذا الأسبوع، تسعى إلى دراسة التفاوتات في خصائص الجينات وعلاقة ذلك بالأمراض قد يكون لهذا الأمر تطبيقات عملية عديدة، منها: تسريع جهود التنبؤ بتأثير الأمراض الوراثية النادرة، وتحديد أي من الطفرات العديدة التي تظهر في ورم المريض هي التي تُسبب السرطان، وتسريع تطوير الطب الجيني، على سبيل المثال لا الحصر. سيستغرق تحقيق هذه الطموحات جهداً كبيراً. ومع ذلك، فإن التقدم السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي لإضفاء معنى على 3 مليارات حرف في حمضنا النووي يستحق الاحتفاء. لقد حققت شركة «ديب مايند» تقدماً هائلاً في استخدام التعلم الآلي لترجمة نص الجينوم إلى رؤى بيولوجية.

ولعل أبرز إنجازاتها - والذي حاز بفضله باحثوها على جائزة نوبل عام 2024 - هو تطوير برنامج «ألفا فولد» AlphaFold، الذي تنبأ بالبنية ثلاثية الأبعاد لجميع البروتينات المعروفة تقريباً في الطبيعة انطلاقاً من تسلسلها الجيني.

وكما ذكرتُ سابقاً، أصبح هذا الإنجاز العظيم ركيزة أساسية في تطوير الأدوية. أما مشروع «ألفا جينوم»، فيتناول مشكلة أكثر تعقيداً. فكل خلية من خلايانا تحمل نفس مجموعة الخصائص الجينية، ومع ذلك، فإن أنواعاً مختلفة منها - كخلية القلب مثلاً، مقارنةً بخلية الكبد - تتصرف بطرق مختلفة تماماً. ويتم هذا التنسيق المعقد بوساطة «الجينوم الخفي»، وهو عبارة عن أجزاء ضخمة من الحمض النووي تتحكم في الجينات التي تحدد متى وأين وكمية إنتاج البروتينات المختلفة.

ولا يزال جزء كبير من هذا التنسيق غامضاً، وله تبعات واقعية. يُجري أطباء الأورام يومياً تحليلاً لتسلسل الحمض النووي لأورام المرضى في محاولة لتحديد العوامل المُسببة للسرطان، وتصميم العلاج المُناسب، والتنبؤ بمسار المرض. ومع ذلك، يقول عمر عبد الوهاب، الطبيب الباحث في مركز «ميموريال سلون كيترينج» للسرطان: «يحصل الأطباء باستمرار على معلومات لا نعرف كيفية التعامل معها». فعندما يكتشفون خطأً جينياً جديداً في الحمض النووي لشخص ما، فإنهم يرغبون في معرفة ما إذا كانت وظيفته مهمة أم لا. هنا يأتي دور برنامج «ألفا جينوم» فهو قادر على التنبؤ بما يقرب من 12 نوعاً من المهام من خلال تحليل التسلسل، مثل ما إذا كان يُعدّل مستوى صوت جين معين أو مكان حدوث قطع في جين ما.

بعض هذه الوظائف مُغطاة بالفعل بأدوات موجودة يستخدمها الباحثون، وفي ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر»، أظهر علماء «ديب مايند» أن أداء «ألفا جينوم» كان مماثلاً أو أفضل من جميع تلك الأدوات. (على سبيل المثال، يستخدم عبد الوهاب بالفعل أداة تُسمى «سبلايس إيه آي»Splice AI للتنبؤ بأهمية الطفرات الجينية لدى المريض، وأخبرني أنه مُعجبٌ بتفوق ألفا جينوم عليها). لكن هذا العمل محفوف بكثير من التحفّظات. فبدايةً، تعمل منصة ديب مايند جيداً في التنبؤ ببعض وظائف الجينات، لا جميعها.

ويقول علماء إنه في الوقت الراهن، قد يكون من الأفضل اعتبارها «مصفاة» أكثر من كونها «كاشفا» - أي أنها تُضيِّق نطاق مُسببات الأمراض المُحتملة بكفاءة، بدلاً من تحديد المُسبِّب بدقة. وفي الوقت الراهن، لا يُمكن لبرنامج ألفا جينوم التنبؤ إلا بأنواع مُعينة من الخلايا، وهو قيد لا يرتبط بقوة الخوارزمية بقدر ما يرتبط بنقص البيانات التجريبية اللازمة لتدريبها. ويقول «بيتر كو»، الأستاذ في مختبر«كولد سبرينج هاربور»، والذي يُطوِّر أساليب التعلُّم العميق لربط الجينات بوظائفها، إن هذه مُشكلة لا يُمكن حلها بالهندسة المُبتكرة وحدها. ويضيف كو: «إنهم يدفعوننا نحو أقصى ما يمكننا تحقيقه بالبيانات المتاحة».

 

ومن المفارقات أن التقدم يعتمد على البشر في المختبر- علماء الأحياء القادرين على فهرسة البيانات الأكثر أهمية التي يحتاج إليها مشروع «ألفا جينوم» للتقدم. ويوضح «كو» أن هذا العمل يجب أن يتم بعناية، مع التركيز على إعطاء الأولوية للتجارب التي ستساعد في تحسين النماذج. وبينما يتعرف المجتمع العلمي على المجالات التي يمكن أن تكون فيها أداة «ديب مايند» أكثر فائدة، ويعمل على بناء البيانات اللازمة لتحسينها، فإنه على الرغم من أن شركة «ديب مايند» قد أتاحت الأداة مجاناً للاستخدام غير التجاري، فمن السهل تصور تداخل هذه الحدود مع قيام المختبرات الأكاديمية بتحقيق اكتشافات تستند جزئياً إلى استخدامها - حتى وإنْ كانت بياناتها الخاصة قد ساهمت في تحسين دقتها.

ومثل مشروع «ألفا فولد»، لم يصبح مشروع «ألفا جينوم» ممكناً لولا الوصول إلى مجموعات بيانات ضخمة متاحة للجمهور وممولة من القطاع العام. وفي ظل الظروف الأميركية الراهنة التي يتسم فيها تمويل الأبحاث الحكومية بالهشاشة، ينبغي أن يكون هذا التقدم بمثابة فرصة.

*كاتبة متخصّصة في التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية وصناعة الأدوية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
   



إقرأ المزيد