جريدة الإتحاد - 2/5/2026 12:53:33 AM - GMT (+4 )
في هدأة النفس، تحادثك سنوات مضت بقصصها المشوقة، تحاورك بلغة الأمس، لتستلهم منها عبق أيام مضت، حينها أشار والدي وقال، لم تعد بين المدن من حدود، ولا تدقيق جوازات السفر، انتهى عهدها، كنا ننظر لها بعين الدهشة، من بلور السيارة، ملامح لها أطلال ساكنة، خلفها فضاء ووجوم، ووالدي يقود السيارة بهدوء، وفي ذاكرته سيارات عسكر الإنجليز في صورهم الملثمة، على السواحل حيثما أودعها في ذاكرته.
وهم بنا في رحلة عائلية، مداها من ضفاف أبوظبي ننشد الإمارات الشمالية، في نشوة فرح، نعبر مدناً راسخة بالطريق، تجر الوقت نحو فضائها ونخوتها، وهي على عتبات البدء، كانت تلتحم بالصحراء والجبال وبالبحر لها سحرها، ولنا مقصدنا بين آفاق الرؤى واحتفاء الصحراء ما بعد المطر.
وصلنا، بعد عناء، مدينة تغتسل بماء عين خت الساخنة، وهي متدثرة بين الجبال والصحراء والبحر، ونبع عيون الناس، تنظر إلينا بحدة لمعرفة مَنْ القادم، نظرات نابعة من أصالة وكرم وقيم، فقبيل ملامسة الماء الساخن، انتابتنا لسعات هوائية باردة، أيقظت اللهفة برذاذ بارد ينثر في عيوننا الدهشة.
قصص لم يمسها النسيان، وهي ترسم تحدي وتنافس أهلها على سعيهم الحثيث لضيافتنا، كانوا يرتجونا أن نقبل الضيافة، تنافس بدوي عجيب، ولم يكن رفضنا انتقاصاً منهم، بل لم تكن رغبتنا لنكلف عليهم العبء، قال والدي، إلا أنهم، سبقوا رفضنا، بالإصرار على كرمهم الحاتمي.
وبمسير العودة خرجنا من مسار الطريق بغية الصحراء، طبيعتها ومشاهداتها بما تفضي الروح بشغف الدروب كلما توغلنا، نرى نبض عروقها يحيا بعد المطر، ويثير أسرار الرحلة، وهنيئتاها في مغامرات التيه، وملاذها رائحة القهوة تحفنا، وإذا ما ضللنا عن مسارات اتبعنا فضاءها الرحب.
تبادر لنا رجل آسيوي يمشي الخطى وحيداً، سأله والدي، ليرشدنا الطريق، فأخذ يتمعن في وجهه ملياً، وابتسم، ولم يجب للحظة، حيرنا بها، أعاد عليه السؤال، هل لك أن تدلنا على الطريق، فرد الرجل مجيباً، وكيف لك أن تنسى هذه الطرق، وأنت قضيت بها زمناً، ألا تذكرني، كم كنت أخدمكم بمعسكر الإنجليز، فغلب عليهما الابتسام والحوار اللطيف المتبادل ليعيد حديث الذاكرة بينهما.
ولم تعد تلك الدروب تغشى الحياة بظلالها وحيرتها، التحمت الحياة بين المدن في تلاحم شعبها في اتحاد الإمارات، وبدأت في نفوس شعبها قصة حياة طموحة لا ينبغي لها حياة سواها، لما لها من العزة والكرامة، فكانت الحياة تنهض في أوجهها نهضة تنموية باهرة تبهر المدى بحضارتها وببشارات الناس الطيبة، ابتسمت الإمارات لهم في عنفوانها وتعدد مجالاتها الثقافية والعلمية.
إقرأ المزيد


