جريدة الإتحاد - 2/6/2026 12:22:26 AM - GMT (+4 )
طيلة سنوات، ظلت البرامج والسياسات الثقافية في الوطن العربي غير ممنهجة، وكان العمل بها يتم وفق أطر غير مدروسة بدقة، وهي في الغالب تعتمد على الطموح والارتجال، وعلى التوجهات التي تحكم المسؤولين في الوزارات والدوائر الحكومية والأهلية. وفيما كان العالم يتجه إلى الحوكمة في نظم الاقتصاد والتخطيط الحضري للمدن، كانت الثقافة تخرج دائماً من المعادلة، كونها غير قابلة للقياس والرصد، بسبب طبيعتها الفنية والأدبية، وعدم وجود قواعد بيانات ومؤشرات يرتكز عليها صاحب القرار الثقافي.
في القمة العالمية للحكومات، التي انتهت يوم أمس في دبي، قدمت كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية مبادرة نوعية فريدة جداً بعنوان «مؤشر المدن العربية للثقافة والصناعات الإبداعية»، بهدف حل هذا الإشكال الثقافي القديم، وهي مبادرة من شأنها أن تكون نقطة تحول جوهرية في جعل القرار الثقافي العربي يرتكز إلى مجموعة من المعطيات والبيانات التي تتصل برفاهية المدن وعلاقة الثقافة بالاقتصاد، والانتقال بالعمل الثقافي من كونه تابعاً ويحتاج إلى الدعم، إلى كونه صناعة إبداعية قائمة بذاتها، وتمتلك مقومات الاستدامة والاستمرار من دون حاجة إلى دعم أو تعاطف من الغير.
وقال مدير الكلية، د. علي بن سباع المري: «إن هذا المؤشر يوفر أكثر من مجرد أداة للتقييم، كونه يفتح آفاقاً أوسع للتنويع في الاقتصادات الإبداعية، ويعزز بناء القدرات، ويدعم التعاون الإقليمي، مما يسهم في تعزيز حضور المنظومات الثقافية والإبداعية العربية على الساحة الدولية، ويعكس طموح المنطقة بأن تكون عنصراً فاعلاً في صياغة الخطاب العالمي حول الاقتصاد الإبداعي، لا أن تكتفي بمواكبته». وقد لقيت هذه المبادرة ترحيباً من اليونسكو، وجهات ومنظمات ثقافية كثيرة. نعم، أخيراً أصبح لدينا مؤشر واضح لقياس نتائج جهودنا الإبداعية وأثرها ومخرجاتها.
ومن خلال هذه المبادرات النوعية ذات الطابع العلمي والمنظم، يمكن للثقافة العربية أن تنتقل إلى مفهوم عمل جديد في وضع برامجها المستقبلية، وأن تستعيد موقعها الطبيعي كقوة تأسيسية لا تابعة. إن الانتقال من الارتجال إلى المؤشرات سوف يحرر عملنا الثقافي من العشوائية، ويضعنا على مسار قابل للنمو والتطور في عالم مزدحم ومخيف، تتنافس فيه الآلة مع الإنسان في أعمق أشكال وجوده وأسلوب تعبيره.
شكراً لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية على هذه المبادرة، وأتمنى من القمة الحكومية أن تضع هذا المؤشر على طاولة اجتماع وزراء الثقافة العرب القادم.
إقرأ المزيد


