جريدة الإتحاد - 2/6/2026 12:22:32 AM - GMT (+4 )
تلك امرأة من ذاك الزمن الجميل، لم تعرف تلك الطفولة وألعابها، ولا حتى تلك المساحة الصغيرة التي تسمح لها أن تكبر على مهل، الطفولة في ذاك الوقت كان زمنها قصيراً، فالابن يعرف الكدّ قبل أن يطرّ شاربه، والبنت تحتشم، وترد عليها وقايتها ستراً، بانتظار أن يأتي زوج فيسنّ عليها أن تتبرقع لأنها صارت في بيت غير بيت أهلها، وغدت حرمة دار.
هكذا عاشت طفولتها وزاد عليها حين كانت في السابعة، وتوفيت أمها، أراد والدها أن يغرّبها عن أم السبع بلادين، وعزوة أهلها، فتصدى له خوالها بمحازهم أن ما تشبرّ بنت أختهم عن الدار، ولا تتربى مع حرمة جديدة وغريبة عنها، رضخ الأب لذلك الشرر المتطاير من حمرة عيونهم، وتكفل بها خالها الأصغر بعد أن دقّ صدره بأن لا ينقصها شيء ما دام حيّاً!
تربت في دارها ومكانها ووسط الناس الذين تعرفهم، شلّت البيت وهي صغيرة على رأسها الذي كانت عليه خالتها القوية، فتعلمت منها ما يخص النساء وتعبهن، وما يخص تدبير المنزل، فأتقنت صنع أنواع الأكل، وغدت تتفنن فيه كموهبة لم يرعها أحد، لكن ما أحد تطاعم من أكلها ولا مدحه، حتى تواصفوا به العرب، لم تكن تدري ما هو سر لذة أكلها، فقط اكتشفته من كلام الناس، وضرب الوصف به، حتى أنها كانت تستدعى لتطييب الأكل وملذات الطعام على الغالين على قلبها، ومن تودهم في أفراحهم أو أتراحهم ولا تقبل أن تأخذ مقابلاً، وحين يطلب منها بإلحاح، ترد وقايتها على برقعها، وتحلف برأس خالها الغالي ما تأخذ شيئاً.
حين اكتملت في عمرها، وأصبحت شابة، كانت من القوة التي يتهيب منها الرجال، خاصة أن لها أخوالاً «فتنتهم عدال خشومهم»، وأدركوا ذلك أكثر حين كانت تمشي في وقت الشدة وصليّ الرصاص من الواحة إلى «الياهلي» إلى «ند الغربان» وصولاً إلى البريمي، حاملة على رأسها الأكل الذي كان ينقص الرجال في متاريسهم، وتأخذ أشياء من صعراء إلى «خرائب الصِيري» رجوعاً لمسكنها في قلب الواحة، لا يرافقها إلا ابن خالها القريب من عمرها، والذي تربى معها في البيت نفسه، كانا يحملان علامة عليها ختم التاج الملكي البريطاني بعدم التعرض لهما، وتوصية من خالها الذي دقّ صدره لها قبل سنوات، والذي صار مسؤولاً عن ذلك الطريق الجانبي المحترق من «ند الغربان إلى خرائب الصِيري».
تزوجت من رجل قوي كان له وقع في أم سبع البلادين، لكنه أفسح لها مكاناً لأنه يعرف قدرها وقدر خوالها، ومودة الناس لها، ومنزلتها عند الناس الكبار الذين يقدرون عملها وما كانت تقوم به وقت الشدة وصليّ الرصاص، ويتذكرون طعم ما تصنع يداها من لذيذ الخبز بأنواعه، وأنها كانت دائماً قريبة لأي طلب أو خدمة واجبة عند قدوم ضيوفهم، وقبل وصولهم بالسلامة لأي مكان، كانت لها تلك الطيبة التي ورثتها من أمها، وتلك القوة التي ربتها عليها خالتها، وتلك الأريحية التي علمتها لنفسها، وذلك الكرم والمرحبانية التي شهدتها في بيت خالها الذي دقّ لها صدره في صغرها، وقال: هذه حسبة بنتي، والله ما تشبرّ بعيد عن مربى أمها في أم سبع البلادين شبراً!
راحت.. مثل ما راح أكثر الغالين في أم سبع البلادين، وبقي منها ذاك الصيت، والطيبة العالية، وهبّة نساء ذاك الزمان، وذكرها الإحسان لناسها الذين كان يتذكرونها دوماً بالحُسنى، الآن.. أتذكرها، وأتذكر نخلها في بطن الواحة، وأتذكر كيف كانت مع زوجها على سريرين في غرفة، هو يقول: يا الله بالعفو والعافية! وهي وكأنها تودعه بعد ما غابت عن زينتها، غاب، وغابت هي بعده بأعوام!
إقرأ المزيد


