البحث العلمي واستشراف المستقبل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من أبرز السمات التي تتميز بها دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ تأسيسها في العام 1971، هي وجود قيادة رشيدة تتولى دفّة تطوير الدولة، بناءً على نظرة استشرافية تقوم على أُسس وقواعد علمية ومنطقية. وأبرز الأدلة على ذلك حدثان على قدر كبير من الأهمية. الأول هو ما حدث أثناء جائحة كوفيد-19 (كورونا) التي عصفت بالعالم أواخر العام 2019، والتي لولا تركيز حكومة الإمارات على بناء وتطوير بنية تحتية متكاملة وقوية في قطاعات تقنية المعلومات والصحة، لأصاب مجتمع الإمارات ما أصاب نظيره في العديد من دول العالم من خسائر بشرية ومادية ضخمة أضرّت باقتصادات تلك الدول. فقد كانت النظرة المستقبلية للدولة كفيلة باستمرارية الأعمال في كافة القطاعات الحكومية والخاصة بكفاءة وفعالية أثناء الجائحة بطريقة فعالة وناجحة بسبب البنية التحتية القوية والحديثة. والحدث الثاني هو إطلاق حكومة الإمارات برامج متقدمة للغاية في مجال استكشاف الفضاء، وخاصة إرسال «مسبار الأمل» لكوكب المريخ. 
والحدثان، ضمن أمثلة أخرى عديدة، يعكسان رؤية قيادة الإمارات الاستشرافية، والتي دعّمتها الحكومة مؤخراً بالإعلان عن هدف استراتيجي، ألا وهو تحقيق ريادة إماراتية في مجال الذكاء الاصطناعي. ولعل من أبرز الأُسس التي تقوم عليها برامج وحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي هي البحث العلمي، الذي يكتسى أهمية كبرى لدى الدول المتقدمة، باعتباره المحرك الرئيس لنمو اقتصاداتها، إضافة إلى تأثيره على الابتكار والتقدم المجتمعي بصورة عامة، والتقدم التقني بصورة خاصة. 
فعلى مستوى العالم، فإن قاطرة البحث العلمي والتطوير، خلال الفترة من 2022 إلى 2024، تقودها الولايات المتحدة الأميركية بميزانية بلغت ما بين 781 مليار دولار و885 مليار دولار سنوياً، تليها الصين بميزانية تفوق 700 مليار دولار سنوياً. وتُركِّز الدولتان على مجالات الذكاء الاصطناعي والتصنيع والتقنية البيولوجية، في وقت يُمول القطاع الخاص الأميركي ما بين 75% إلى 77% من ميزانية البحث العلمي والتطوير، بينما في الصين يساهم القطاع الخاص بـ 77.7% تقريباً من ميزانية البحث والتطوير هناك، ولا يختلف الأمر كثيراً في بقية دول العالم المتقدمة. 
وعلى مستوى الإمارات، فقد حرصت القيادة الرشيدة على الاهتمام بالبحث والتطوير من خلال تأسيس مجلس الإمارات للبحث والتطوير في العام 2022، وهو المسؤول عن وضع الإطار العام وتحديد الأولويات الوطنية ومراجعة السياسات وتنسيق أنشطة البحث والتطوير على مستوى الدولة. وبجانب ذلك المجلس، توجد أيضاً جهات محلية، أبرزها مجلس أبحاث التكنولوجيا المتقدمة في أبوظبي، وبرنامج دبي للبحث والتطوير والإدارة. 
وبالنظر إلى واقع القطاع الخاص في الإمارات، فهو يمتلك حجماً هائلاً من الاستثمارات، ويستفيد بقوة من التسهيلات الحكومية المقدمة له، ولذلك فإن - برأيي - الوضع مُهيّأ للاستفادة من قدرات وإمكانات القطاع الخاص للمساهمة بحصة كبيرة في تمويل جهود البحث العلمي والتطوير، وذلك لدعم رؤية القيادة، وتحديداً في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن جانب آخر، توجد حاجة ماسة إلى دمج الجهود البحثية في مؤسسات التعليم العالي مع نظيرتها الحكومية والخاصة ضمن خطة بحث علمي وتطوير وطنية. والمُحصِّلة النهائية سوف تكون ترسيخ مكانة الإمارات علمياً وتقنياً على مستوى العالم بواسطة البحث العلمي والتطوير القائم على رؤية القيادة الاستشرافية. 


*باحث إماراتي.



إقرأ المزيد