جريدة الإتحاد - 2/9/2026 11:47:23 PM - GMT (+4 )
لطالما تمسّكت الموسيقى باستقلاليتها، ومع ذلك لم تتنكّر بتأثّرها بعوالم الفلسفة، وتأثير المجال الفلسفي ليس دلالياً، وإنما هو التأثير الذي يمنح الموسيقى قدرتها على الممانعة ضد تدجينها، سواء ضمن «الاتهام الشيوعي» أو أي ادعاءات أخرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد.
لم تكن الفنون منعزلةً عن حلقات النقاش أو جديد النظريات، بل كان التأثير حاضراً ومُحايثاً، وآية ذلك أن الموسيقى ارتبطت بالتحولات البشرية، فهي تتفاعل مع المحيط وتأخذ منه وتعطيه، ذلك أن الفنون إجمالاً، والموسيقى تحديداً، لا تلبث أن تُخاتل النظرية. ولو تأملنا في سير الحضارات، لوجدنا أن الموسيقى إما أن تسبق التحول، وإما أن تُحايثه، وإما أن تتبعه.
إنّ الأمم التي تأسّست تحوّلاتها ضمن فضاء الموسيقى، استطاعت أن تفتتح مشروعاً أبدياً لتعميم الموسيقى وجعلها لغة سائدةً بين المجتمعات، من هنا يكون العالَم من دونها لغوٌ وعبث.
ثمّةُ دراسةٌ مهمةٌ أعدَّها «ماتيو رافاسيو» وقرأتُها بترجمة: «أنجيلا الشوفي»، وهي بعنوان: «تاريخ فلسفة الموسيقى الغربية منذ 1800»، وأُحيل بالتحديد لنقطتين من هذه المادة:
الأولى: تركيز البحث على أنه: «إذا كانت الموسيقى لا تتعامل مع العالم كما نعرفه من الإدراك العادي، بل مع واقعٍ متسامٍ، فإن اللغة ستعجز عن وصف الموسيقى فعلياً. وهذا ما يُمكن أن نسميه فرضية عجز التعبير، التي تظهر بأشكال مُختلفة في كتابات الفلاسفة والنقاد والموسيقيين الرومانسيين. لا يُعبّر عن هذا الرأي بالحجة الضعيفة أننا لا نملك حالياً كلماتٍ لتسمية ما تعنيه الموسيقى أو تُعبّر عنه، بل بالحجة الأقوى أننا لا نستطيع إيجادها، وبينما يُعزى الفضل في التفسير الفلسفي الأكثر تأثيراً لمفهوم عجز التعبير إلى آرثر شوبنهاور».
الثانية أنه ومع: «الموسيقى، تترتّب بعض النتائج المعيارية، لأن التشابه بين الموسيقى والعالم يتوقف على كونهما تعبيرين عن إرادة ميتافيزيقية واحدة، ولأن هذه الإرادة تقع خارج نطاق المعرفة النظرية، يُدين شوبنهاور الموسيقى المُحاكية، لأنها تُصوّر العالم عبر محاكاة مظهره الصوتي للكائن، وليس جوهره الداخلي، لأن المعرفة التي تُقدمها الموسيقى أسمى من المعرفة الخطابية، يُنبذ شوبنهاور الأعمال والأنواع التي تكون فيها الموسيقى خاضعة للكلمات، لأن شوبنهاور يرى أن العنصر اللحني للموسيقى هو جوهر قيمتها، فهو يُنبذ الموسيقى التي يكون فيها اللحن غير واضح في مؤلفات اليوم، ثمَّ تركيز على التناغم أكبر منه على اللحن، لكنني أتخذ وجهة نظر مُعاكسة، وأعُدُّ اللحن جوهر الموسيقى، الذي يرتبط به التناغم كما ترتبط الصلصة باللحم المشوي».
الخلاصة، أن نقاط التلاقي بين الموسيقى والفلسفة، وإنْ حاول البعض نفيها، غير أنها مثبتةٌ علمياً، لقد جاءت موسيقى تشايكوفيسكي مثلاً بطريقةٍ محايثة للقلق الفلسفي، ومعارضة لمبادئ شوبنهاور الفلسفية، (آرثر شوبنهاور أو شُبِنْهَوَر فيلسوفٌ ألماني، أشهر أعماله كتاب «العالم إرادة وفكرة» الصادر عام 1818)، إذ تنبعث شُهب الحياة من بين مقطوعاته الموسيقية، وهذا ينطبق على عشرات الموسيقيين الذين استفادوا من الفلاسفة وعلى فلسفاتٍ كبرى ترعرعت ونبتت في تُربةٍ موسيقية.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


