جريدة الإتحاد - 2/12/2026 11:50:41 PM - GMT (+4 )
أدى السباق الدولي نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام إلى استثمارات ضخمة في مراكز معالجة البيانات، التي تتطلب كميات هائلة من الكهرباء والمياه لتعمل بكفاءة. وما زلنا في بداية فهمنا لتأثير هذه الاستثمارات على المجتمع. فهل ستفوق الفوائد التكاليف؟ وما سيكون تأثيرها على السياسة الداخلية والعلاقات الدولية؟ الذكاء الاصطناعي ليس التقنية الجديدة الوحيدة التي نحتاج إلى فهمها بشكل أفضل.
نادراً ما تأتي فترات التغيير العلمي السريع نتيجةً لاختراق واحد في كل مرة، بل تظهر عندما تنضج عدة تقنيات تحويلية في آنٍ واحد، تُعزز بعضها بعضاً وتُعيد تشكيل الأنظمة الاقتصادية والأمن القومي والحياة اليومية.
وخلال نصف القرن القادم، تمتلك ثلاثة آفاق علمية أخرى - الحوسبة الكمومية، والاندماج النووي المُجدي تجارياً، وعلم الأحياء القابل للبرمجة - القدرة على تغيير أسس الحضارة الحديثة. لا يزال كل منها تجريبياً جزئياً اليوم، إلا أن وتيرة التقدم تُشير إلى أن تأثيرها المُجتمع قد يُضاهي تأثير الكهرباء أو الثورة الرقمية.
تمثل الحوسبة الكمومية أولى آفاق هذا المجال، إذ تُقدم نهجاً جديداً جذرياً لمعالجة المعلومات. تعتمد الحواسيب التقليدية على البتات BITES (جمع بايت) الثنائية التي توجد إما كصفر أو واحد. في المقابل، تستخدم الأنظمة الكمومية البتات الكمومية، أو الكيوبتات QUBITS، التي يمكنها تمثيل حالات متعددة في آنٍ واحد والتفاعل من خلال التشابك الكمومي. من حيث المبدأ، يُتيح هذا حل فئات معينة من المشكلات - لا سيما تلك التي تنطوي على التحسين المعقد، والمحاكاة الجزيئية، والتحليل التشفيري - بسرعة تفوق بكثير سرعة الحواسيب التقليدية.
ورغم أن الحواسيب الكمومية الحالية لا تزال محدودة بسبب عدم الاستقرار وتحديات التوسع، إلا أن التقدم المطرد في تصحيح الأخطاء وتماسك الكيوبتات يدفع هذه التقنية نحو التطبيقات العملية. حتى الأنظمة في مراحلها المبكرة يُمكنها تسريع اكتشاف الأدوية، وتصميم المواد المتقدمة، ونمذجة المناخ بشكل كبير، مما يوفر مزايا اقتصادية واستراتيجية قوية للمتبنين الأوائل.ويمثل الاندماج النووي، وهو هدف طال انتظاره ومجدٍ اقتصادياً، أفقاً تحويلياً ثانياً. وقد سعى العلماء لعقود إلى تحقيق الاندماج النووي، العملية التي تُغذي الشمس، كمصدر محتمل لطاقة شبه غير محدودة وخالية من الكربون. وقد أظهرت اختراقات تجريبية حديثة دفعات قصيرة من الطاقة الصافية، مؤكدةً إمكانية تحقيق الاندماج النووي المُتحكم به عملياً. ويكمن التحدي المتبقي في الهندسة: بناء مفاعلات قادرة على استدامة التفاعلات المستمرة بتكلفة تنافسية تجارياً.
وإذا تم التغلب على هذه العقبات، فبإمكان طاقة الاندماج النووي توفير طاقة كهربائية أساسية مستقرة بأقل قدر من الوقود، مع تقليل النفايات المشعة طويلة الأمد بشكل كبير، مما يُحدث تحولاً جذرياً في أسواق الطاقة العالمية ويُقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
أما الأفق الثالث، وهو علم الأحياء القابل للبرمجة، فقد يُثبت في نهاية المطاف أنه ذو أثر تحويلي مماثل. فقد منحت التطورات في تحرير الجينات العلماء القدرة على تعديل الكائنات الحية بدقة غير مسبوقة.
وتُعالج العلاجات التجريبية بالفعل بعض الأمراض الوراثية، بينما يجري تصميم ميكروبات مُهندسة وراثياً لإنتاج المواد الكيميائية والوقود والأدوية بكفاءة أعلى من العمليات الصناعية التقليدية.
ويستكشف الباحثون أنسجةً مُستنبتة مخبرياً لزراعتها، ومحاصيل مُهندسة لمقاومة الإجهاد المناخي، ومواد بيولوجية ذات خصائص هيكلية جديدة كلياً.وبمرور الوقت، قد تُعيد هذه القدرات تشكيل الطب والزراعة والتصنيع، مُثيرةً في الوقت نفسه تساؤلات أخلاقية وتنظيمية مهمة. هذه الثورات الثلاث ليست تطورات مُنفصلة.
فالحوسبة الكمومية قادرة على تسريع اكتشاف مواد جديدة لمفاعلات الاندماج النووي والتطبيقات الطبية الحيوية. وطاقة الاندماج، إنْ تحققت، ستوفر الكهرباء النظيفة الوفيرة اللازمة لبنية الحوسبة من الجيل القادم والتصنيع الحيوي واسع النطاق. أما البيولوجيا القابلة للبرمجة، فقد تُنتج بدورها مواد متطورة تُحسّن أنظمة الحوسبة وتقنيات الطاقة على حد سواء.
والتأثيرات التراكمية لهذه الإنجازات المُتداخلة قد تُحدث تحولاً تكنولوجياً يفوق بكثير مجموع أجزائه الفردية. والمجتمعات التي تستثمر مُبكراً، وتُدير المخاطر بحكمة، وتُشجع التعاون العلمي المفتوح، هي الأرجح أن تُشكّل المشهد التكنولوجي الجديد الذي بدأ يتبلور، وأن تستفيد منه.
* مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشيونال إنترست- واشنطن
إقرأ المزيد


