السيارات الصينية.. صعود رغم القيود الجمركية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في عالم تزدهر فيه شركات السيارات الصينية، تبرز الولايات المتحدة كوجهة جاذبة ، لكنها تردع الشركات الصينية بفرض تعريفات جمركية باهظة وحظر أنظمة برمجيات السيارات التي طورتها أو سيطرت عليها. كما أنها أكبر سوق للسيارات في العالم من حيث الإيرادات، وواحدة من أكثرها ربحية - لذا تتمنى شركات السيارات الصينية العملاقة إيجاد سبيلٍ للدخول.
ومؤخراً، بدأت تظهر مؤشراتٌ متقطعة على أنها قد تفعل ذلك. في حديثه الشهر الماضي في ديترويت، من بين جميع الأماكن، قال الرئيس دونالد ترامب، إنه إذا أرادت شركات صناعة السيارات الصينية بناء مصانع في الولايات المتحدة، فسيسعد بذلك. ومؤخراً، نفت شركة «فورد موتور» تقريراً نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» يفيد بأنها أجرت محادثات مع شركة «شاومي»، من بين شركات أخرى، بشأن السيارات الكهربائية. ومع ذلك، يُعرف الرئيس التنفيذي لشركة فورد، جيم فارلي، بإعجابه الشديد بسيارات «شاومي» الكهربائية، ويتحدث عموماً عن قطاع السيارات الصيني بإعجابٍ ممزوج بشيء من الرهبة. وتشير التقارير إلى أن الشركة تجري محادثات مع منافس صيني آخر، وهو مجموعة «تشجيانج جيلي» القابضة، بشأن مشاركة الطاقة الإنتاجية في مصانعها بأوروبا.
في غضون ذلك، وعلى غرار نهج ترامب المتناقض، صرّح «مايك ستانتون»، رئيس الرابطة الوطنية لتجار السيارات، أمام حشد من الحضور في مؤتمر عُقد في لاس فيجاس الأسبوع الماضي، بأنه في حين أن 95% من أعضاء منظمته يؤيدون السياسات الفيدرالية التي تمنع استيراد السيارات الصينية، «فإننا لا نطلب من التجار عدم الحصول على امتيازات السيارات الصينية».
تُحقق شركات صناعة السيارات الصينية نجاحاً باهراً في العالم. فقد ارتفعت صادراتها بنحو ثمانية أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية، متجاوزةً اليابان التي كانت تتصدر السوق سابقاً. يقول «مايكل دان»، المدير التنفيذي السابق في قطاع السيارات والذي تحول إلى مستشار في شركة «دان إنسايتس»، إن بعض الشركات في الأسواق الدولية تشتري شاحنتين صينيتين، مثل «ماكسوس» من شركة «سايك موتور»، بسعر يُقارب سعر شاحنة واحدة من طراز «فورد رينجر» أو «تويوتا تاكوما»، لتستهلك إحداهما ثم تستخدم الأخرى.
ورغم الخطاب العلني، يسود اعتقادٌ ضمني في أوساط صناعة السيارات بأن السيارات الصينية لا يمكن إبعادها عن السوق الأميركية إلى الأبد. ويتعزز هذا التشبيه بالقوى المتنافسة: فقد برزت المكسيك كوجهة أولى لصادرات السيارات الصينية، ووافقت كندا مؤخراً على حصة استيراد ضمن جهودها لمواجهة ضغوط واشنطن. ويمكن لشركات السيارات الأميركية الاستفادة من الخبرات وسلاسل التوريد التي بنتها الشركات الصينية في مجال المحركات الكهربائية والهجينة.
في غضون ذلك، قد يستفيد السائقون الأميركيون من بعض الطرازات الأرخص ثمناً وإن كانت عالية الجودة في سوق باتت فيه السيارات الجديدة حكراً على أصحاب الدخل المرتفع. وقد تُحفز السيارات الأرخص نمواً بطيئاً في المبيعات، وهو ما يفسر غموض موقف التجار تجاه السوق الصينية. 
ومن وجهة نظر معينة، فإن العلامات التجارية اليابانية والكورية هي الأكثر عرضة للخطر من دخول السيارات الصينية إلى السوق الأميركية، على الأقل في البداية.
ويجب أن يكون دخول السوق الصينية على غرار ما فعلته شركات مثل «تويوتا موتور كورب» قبل عقود، أي ليس عن طريق الاستيراد، بل عن طريق بناء مصانع سيارات في الولايات المتحدة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مشاريع مشتركة مملوكة بأغلبية أميركية، عكس النموذج الذي تبنته الصين نفسها بدءاً من التسعينيات. أما بالنسبة لحظر البرمجيات الصينية، فيمكن ترخيص أنظمة التشغيل من أي عدد من المطورين الأميركيين، بدءاً من فورد وصولاً إلى وايمو.
ويمكن حصر دخول الشركات الصينية إلى السوق في طرُز الفئة الاقتصادية، على الأقل في البداية. وهذا من شأنه أن يخفف من التهديد الذي يواجه ديترويت وعمالها المنظمين نقابياً، نظراً لأن شركات صناعة السيارات الأميركية قد تخلت إلى حد كبير عن هذا القطاع. لقد قمت بتحليل عينة من 189 طرازاً أو سلسلة من أكبر 10 شركات لصناعة السيارات في الولايات المتحدة من حيث مبيعات الوحدات (باستثناء تسلا لعدم الإفصاح عن بياناتها). وباستخدام متوسط ​​أسعار المعاملات والمبيعات لعام 2025، يمكن حساب الإيرادات المتوقعة لكل طراز، ثم حساب النسبة التقريبية لإيرادات كل شركة من الطرُز منخفضة السعر، بدءاً من 40,000 دولار كحد أدنى.
يتضح جلياً أن شريحة السيارات ذات الأسعار المعقولة في سوق السيارات الأميركية يهيمن عليها بشكل غير متناسب المغتربون الآسيويون. في المقابل، تتجاوز أسعار السيارات الأكثر ربحية في ديترويت - مثل سلسلة «فورد إف»، و«شيفروليه سيلفرادو» و«جي إم سي سييرا» من جنرال موتورز، وشاحنات «رام» من «ستيلانتيس إن في» - 60 ألف دولار.
استناداً إلى هذه العينة، تبدو شركات السيارات اليابانية الأصغر حجماً وشركة هيونداي الكورية أكثر عرضةً للمنافسة في حال استهدفت الشركات الصينية الجديدة الشريحة الدنيا من السوق الأميركية. هذه الأرقام ليست دقيقة تماماً نظراً لنقص البيانات لبعض الطرز، لكن الفجوة بين الشريحتين العليا والدنيا من حيث الانتشار واضحةٌ بما يكفي.
بمعنى آخر، يمنح هذا شركات صناعة السيارات في ديترويت، ووكلائها، فرصةً لتشكيل أي اتفاقية تسمح بدخول الشركات الصينية، بحيث تمنح الأخيرة حريةً كاملةً في إنتاج الطرز الأرخص مقابل مساعدة الشركات الأميركية على تطوير قدراتها في مجال السيارات الكهربائية.
وبينما قد يقتصر دخول الشركات الصينية إلى السوق في البداية على السيارات منخفضة التكلفة، تسعى جميع شركات صناعة السيارات إلى استخدام هذه الطرز الأرخص لجذب العملاء الذين يرغبون في شراء سيارات فاخرة مع مرور الوقت. وعلى الرغم من أن هذا الأمر الحتمي قد يدفع ديترويت إلى التشبث بموقفها الرافض لأي صفقة لجلب شركات صناعة السيارات الصينية، إلا أنه يتعين عليها مراعاة السياق الأوسع.
فبالنظر إلى التقدم الكبير الذي أحرزته شركات صناعة السيارات الصينية، يبدو من غير المعقول أن تبقى هذه المنتجات المرغوبة والأرخص ثمناً بعيدة عن متناول السائقين الأميركيين إلى الأبد.

*كاتب متخصص في شؤون الطاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد