نساء عرفتهن أم سبع البلادين -6-
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كانت امرأة جميلة يضرب بها الوصف، وكانت حشيمة ذات خدر وستر، وذات طوع وخفر، قليل من يتذكر وجهها قبل أن تتبرقع، إلا ويمدح ما خلق الله، كانت تسكن في الغرفة العالية وسط نخيل أم سبع البلادين، كان أبوها غنياً، بغنى ذاك الوقت أو «هنجري» أحسن تعليمها القرآن، وبدائيات كتابة الحروف والأرقام، لكن بعض النساء أمثالها يتلاقفها الرجال في سن مبكرة، على مبدأ مثل أهل الواحة؛ «شبابك وإلا أفسل به، وإلا أنسل به»، وهما جل ما كان يفعله الرجال في ذاك الوقت والمكان، فإما البدء بالزراعة ومقابلة النخل وما يدر من خيرات ومال، وإما الزواج مبكراً ومتابعة النسل حتى يتخاوى الأب مع أولاده، ويمتزر بيت الجد العود بالأحفاد.
تزوجها ابن عمها التي كانت محيّرة له منذ الصغر، ولا أحد يمكنه أن يتقدم لها دون مشورته وموافقته، كسمت تعارف عليه الناس في ذاك المكان، ولو لعلع الرصاص، إلا إن كان ابن العم الذي هو أولى بابنة عمه تبع قلبه وما يهوى، ساعتها يُرخصّها.
ابن عمها الذي كان يبدو عليه الورع والتقوى لم يفرّط بها، وفي سنوات قليلة تعد على أصابع اليد أنجبت له أربعة أولاد تباعاً، هذا وراء رأس هذا، وحين قرر الذهاب إلى مكة بطلب أداء مناسك الحج والعمرة، تجهزت القافلة التي كان دليلها «ابن قرواش» وفيها قضمة من خيرة رجالات أم سبع البلادين، وسارت بعد العيد الصغير قرابة الشهرين حتى وصلت مكة المشرفة، ومن ثم ارتحلت إلى المدينة المنورة، وحين قفلت راجعة، وقبل أن تخرج من مدينة الرسول الكريم قبضت زوجها حمى نَفّاضية، توالت عليه ثلاثة أيام، لم تمهله، وتوفي فيها، وتكفن بثيابه وإحرامه، ودفن هناك، وحين عادت القافلة سلموها متاعه، وحاجياته ومقاضيه من أسواق مكة والمدينة، ساعتها كان حزنها كبيراً عليه، وأقسمت أن لا ترى رجلاً بعده، وقضت شطراً من حياتها بعد القعود لا تخرج من ذلك البيت الطيني العالي الذي يسمى «الغرفة»، ونذرت نفسها لتربية أربعة رجال يحملون سيماء ونقاوة أبيهم، وطيبة أمهم وطهارتها.
توافد عليها الرجال طالبين القرب منها، والتكفل بتربية الأولاد، لكنها كانت حاسمة، بارّة بقسمها أن لا تظهر على رجل بعد زوجها وابن عمها، وليتها تقضي حجتها، وتدنو منيتها، وتدفن في مدينة رسول الله بجانبه، وتحشر معه.
ظلت تعمل على هذه الأمنية، وحين كبر الأولاد وأصبحوا يشار لهم بالبنان، قال الناس: «والله.. أنها رَبّت، وما قصَرَت»! مخالفين مثلهم الذي كانوا يقولونه حين الاتكال فقط على تربية النساء «الحرمة رَبّت ثور وما يزر»، أولئك الأبناء الرجال تعهدوا كل عام أن يزوّروها مكة والمدينة حاجة ومعتمرة، حاملة كفنها، حنوطها وكافورها، لعل أمنيتها أن تتحقق بدفنها في تلك البقعة المقدسة.
لقد عمّرت طويلاً حتى عجزت عن الذهاب إلى مكة والمدينة، وحين فاضت الروح دفنوها في المعشرة في أم سبع البلادين التي ظهرت عن بكرة أبيها مودعة امرأة عاشت طاهرة مطهرة للأبد.



إقرأ المزيد