ما يضجر الصبي الخفيف المشاغب -1-
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ربما لأنني شبعت من المؤتمرات الخارجية، والملتقيات الدولية، والندوات الإعلامية والثقافية، رغم أنها كانت من المؤسسات لبناء الشخصية الأولى، والوعي المعرفي، ومن المحفزات على العمل الإبداعي والتنوير الثقافي، وأطربتني وقتاً حين كان الصدر متسعاً، وأضلعه لينة، والوقت مشاع، ولا تأسي على شيء، لكنني أجدني اليوم ملولاً ضجراً، وعافّا، متذمراً من كثرة الكلام وترديده، خاصة أن البعض يصر أن يجلدك بخطبة غير رنّانة، وآخر يكاد أن يلتهم «الميكروفون»، وكأنه صيد سهل، والبعض الآخر يقول أي شيء، ليثبت للحضور، وربما ليقول لامرأته حين عودته منهكاً من الكذب والتجمل: اليوم تفوهت وأفحمت وحذقت في مداخلتي التي صفق لها الحضور كثيراً، وتسابقت عليها وسائل الاتصال والتواصل!
لذا غالباً ما كنت أنصرف راكضاً خلف ذاك الصبي المشاغب في داخلي الذي يترصد الحركات، ويقرأ الوجوه وما بين السطور، ويسبر ما في الصدور، والذي يفرحك بتعليقاته البريئة، ونشدان البسمة، بعيداً عن الأذى، قريباً من حس الدعابة ليطرب القلب بضحكة بيضاء تسرك، يطوف على الحضور، يستشف من نظراتهم، وطريقة هندامهم، واستعداداتهم مسبقة الصُنع، ويتساءل، لِمَ هذا القاعد على كرسي من فراغ، ويريد أن يشيخ عليه، لقد بالغ اليوم في حلاقة ذقنه حتى احمرّ صدغه ولمع؟
ولِمَ تلك المرأة المتصابية والتي تشبه كاهنات المعبد في كحلها الثقيل، وصيغتها الفضية الكبيرة، وعطرها الأنثوي الذي يبدو في غير وقته، وكأنه ودّع رجالاً فروا باكراً من الحياة، باتجاه مقابر بعيدة، وغير واضحة المعالم؟
أو ذلك الشاعر بنشيده المدرسي، وكأنه لم يكبر أبداً، ولم تعلّمه سيرة الشعراء العظام معنى الشعر، وكيف يمكن للدهر أن يكون منشداً لأقوالهم وسيرتهم المغايرة، وهم يتناطحون مع الحياة، ويناطحونها؟
يبقى ذلك الصبي المشاغب بأسئلته يتلاعب بعقلك، ويدهيك على أمور كثيرة، غايتها سرقة ضحكة تزاغيه أو خطف ابتسامة تبرّد قلبه، ولا يجعلك كما أراد داعوك الرسميون مشاركاً فاعلاً على طريقتهم بتدبيج عبارات الثناء على العلاقات الثنائية المتبادلة، أو التي دائماً تتبعها، كلمات رسمية خالية الدسم، تشبه حفلات السفارات في مناسباتهم وفعالياتهم الرسمية.
كان ذاك الصبي المشاغب غالباً ما يحرّك فيك حس المصور، ويقول لك: لك المدينة ولك فرحتك، ولهم اجتماعاتهم التي لا تبدو أنها ستنتهي إلا مع قرع الصحون وتحضير أواني الأكل «البوفيه» الذي تكرهه، سيشد يدك، مداعباً ذاك الصبي عاشق الكاميرا أن يتخلى عن لبس بدلة رسمية عتيقة ظلت حبيسة خزانة خشبية احترقت من لونها البني، ونَسيتْ تاريخها الهارب بالوقت، حين كان للبدلة ذات الصوف الإنجليزي الأصيل حضورها، ومصدر فخر لذلك الخيّاط «الترزي» الذي بقي يهرم في دكانه ومهنته، وهو يحيكها من ثلاث قطع مع ربطة عنق تقليدية مقترحة منه، يحضك على ما فضّلتَ عليها من تلك الملابس الهفهافة الكتانية التي تُغَنّي للحر ولفرح الألوان الخارجة من زرقة السحب والسماء، والتي يمكن أن تستدعي بحّاراً إيطالياً مغامراً من أماكن بعيدة محاطة ببحر من ذاك اللون الأخضر المتدرج من اللآزورد إلى الأخضر النعناعي البارد، فقط ليرفع قبعته ويقول لمن يهوى: «بومبينو..آموري ميو».
قد تدهشهم في ذاك الملتقى بفكرة صغيرة ومغايرة بعبارات قليلة، لكنهم ككتل رسمية إسمنتية يريدون طبقات من الكلمات المكررة والدسمة، والتي تراها ثقيلة على الكبد خاصة في الصبح، تريد أن تكون خفيفاً وصادقاً، وتريد الدخول للموضوع مباشرة، بعيداً عن الخطابات الترحيبية البلاستيكية، وحنحنات ما قبل قبض المايكروفون، والمزاحمات على التقاط الصور التذكارية، والتي يظهر فيها المزاحمون بأكواعهم الحادة، وضربات أكتافهم غير القانونية، حتى تجد نفسك على طرف الصورة كخنصر صغير، وغالباً لا يبان منك إلا عقالك الذي لا يشبه عقال أهل البصرة، فتعرف، ولا عقال الشطفة، فتميز، وحدهما عيناك تلمعان من بعيد مثل عيون «تايواني» فرح للغاية جداً ببيع كمية لا بأس منها من الإليكترونيات سريعة العطب.. سعد صباحكم.. صباح يوم الحب، لا خلينا ولا عدمنا من الغالين.. وغداً نكمل.



إقرأ المزيد